كشفت تقارير فرنسية حديثة، أن أوضاع اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف جنوب غرب الجزائر تتدهور بشكل غير مسبوق، وسط أزمة إنسانية حادة تهدد الحياة اليومية للسكان.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن الأزمة تتفاقم بسبب نقص حاد في المساعدات الغذائية والمياه، إضافة إلى مزاعم متكررة بسرقة جزء من هذه المساعدات من قبل السلطات الجزائرية قبل وصولها إلى المستفيدين، وهو ما يزيد من معاناة آلاف اللاجئين الذين يقيمون في المخيمات منذ أكثر من خمسة عقود.

وفي مخيم أوسرد، يصطف السكان عند وصول شاحنات المساعدات الغذائية، لكن ما يصل إليهم بالكاد يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. الأمهات يحملن الأكياس الثقيلة على ظهورهن، بينما الأطفال يلعبون بين صناديق الغذاء وأكياس القمح، في مشهد يعكس حجم المعاناة اليومية.

ويشير شهود عيان إلى أن السلطات الجزائرية تقوم بتحويل جزء من المساعدات إلى أسواق سوداء، ما يجعل بعض المواد الأساسية غير متاحة فعليا للمستفيدين الفعليين.
وبحسب التقرير، فإن تراجع المساعدات الدولية أصبح واقعا ملموسا، إذ تشير تقارير الأمم المتحدة ومنظمات مثل أوكسفام و”أطباء العالم” إلى انخفاض حجم التمويل الموجه إلى المخيمات بنسبة تصل إلى 40 في المئة منذ عام 2025، بعد انسحاب وكالة التنمية الأمريكية USAID.
كما أدى هذا الانخفاض إلى تقليص الحصص الغذائية بنسبة تصل إلى 30 في المئة مقارنة بالسنوات السابقة، بينما انخفض نصيب الفرد من المياه إلى نحو 13-15 لترا يوميا، دون بلوغ الحد الأدنى الذي توصي به منظمة الصحة العالمية والبالغ 20 لترا.
وتظهر المؤشرات الصحية هشاشة الوضع بشكل كبير، حيث يعاني 31 في المئة من الأطفال دون سن الخامسة من تأخر في النمو، وتجاوزت نسبة فقر الدم لدى النساء 65 في المئة، فيما أفادت 40 في المئة من الأسر بوجود مرض مزمن واحد على الأقل داخل الأسرة.

ويخشى خبراء الصحة أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تفاقم الأمراض المزمنة ونقص التغذية للأطفال، ما يزيد من تعميق أزمة اللاجئين على المدى الطويل.
وأضاف التقرير، أن الأزمة الغذائية تصاحبها ارتفاع غير مسبوق في أسعار المواد الأساسية، لا سيما اللحوم والدواجن. ففي بعض الأسواق المحلية، وصل سعر كيلوغرام لحم الإبل إلى نحو 2000 دينار جزائري، بعد أن كان 1200 دينار قبل أشهر، فيما تضاعف سعر الدجاج تقريبا.
وقد أدى ذلك إلى مقاطعة واسعة لبعض محلات الجزارة من قبل السكان، احتجاجا على ارتفاع الأسعار وعدم قدرة ما يسمى زورا بـ”السلطات” على ضبط السوق أو تقديم دعم مالي للتجار.
كما أن تراجع المساعدات، وخصوصا بعد تفكيك وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية عام 2025، ترك المخيمات أمام تهديدات مباشرة من حيث الأمن الغذائي والخدمات الأساسية.
وفي مستودعات الهلال الأحمر الصحراوي بمركز الرابوني الإداري، الذي يمثل المركز الإداري للمخيمات، تتكدس شحنات المساعدات القادمة من دول مختلفة مثل باكستان وتركيا وكازاخستان وإسبانيا. وتعكس هذه المخازن حجم اعتماد المخيمات على الدعم الخارجي لتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان.

ويؤكد اللاجئون أن الفساد داخل المخيمات جعل حياتهم اليومية أكثر قسوة، حيث تحوّل كميات كبيرة من الغذاء والأدوية إلى الأسواق السوداء أو تستغل من قبل مسؤولين محليين، ما يعكس فشل المنظومة الإدارية في حماية حقوق السكان. هذا الواقع يفاقم شعور اللاجئين بالخذلان، ويهدد التماسك الاجتماعي ويزيد من الاستياء الشعبي داخل المخيمات.
وفي ظل هذه الظروف، يعتمد عدد محدود من الأسر على تحويلات مالية من أقارب يعيشون في أوروبا لتخفيف وطأة الأزمة، بينما أصبح حلم الهجرة خيارا حتميا للشباب، بحثا عن حياة كريمة خارج مخيمات اللجوء الطويلة والمليئة بالمعاناة.
ويختلط في تندوف اليوم شعور اليأس بالغضب، فيما يواصل المجتمع الدولي صمته، تاركًا آلاف اللاجئين في مواجهة مأساة متزايدة، لا تعرف نهاية قريبة.



تعليقات الزوار ( 0 )