تتشكل ملامح خريطة جيوسياسية جديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تعيد تعريف التحالفات والصراعات والنظم السياسية.. فما يحدث بين المغرب والجزائر ليس حدثا منعزلا عن محيطه الدولي .. بل هو جزء من تحول إقليمي ودولي أعمق تقوده رؤى استراتيجية كبرى تهدف إلى إعادة هيكلة المنطقة وفقا لمعادلات القوة الجديدة والمصالح الاقتصادية العابرة للحدود.
الخطوات الأمريكية تجاه الجزائر بدءا من تشديد إجراءات التأشيرة وصولا إلى ربط الاستثمارات بحل النزاع تفهم في إطار إستراتيجية أمريكية أوسع -هذه الإستراتيجية- التي تتبلور في ما يشبه صفقة القرن الموسعة تهدف إلى تحويل منطق الصراع في المنطقة من التناحر الأيديولوجي والعسكري إلى التعاون الاقتصادي والأمني.
إن الدفع نحو تسوية قضية الصحراء ليس هدفا بحد ذاته بل هو خطوة ضمن خطة لإزالة التطرف و الارهاب و القضاء على بؤر التوتر الثانوية لتركيز الموارد في مواجهة التحديات الإستراتيجية الكبرى .. والانتقال إلى عصر المنصات الرقمية والاقتصادات الافتراضية التي تتجاوز الحدود التقليدية.
قلب المعادلة الإقليمية: من طهران إلى الرباط
يشير هذا التحليل الذي أعرضه اليكم إلى أن إعادة هيكلة نظام الحكم في إيران وإنهاء نفوذها عبر الميليشيات في جنوب لبنان والعراق واليمن سيكون المحور المركزي للشرق الأوسط الجديد .. و تحقيق هذا الهدف الضخم يتطلب من واشنطن وحلفائها تأمين جناحيهم الغربي (شمال أفريقيا) وجنوبهم (الخليج).
هنا يأتي دور المغرب الصاعد كحليف استقرار رئيسي ونموذج للتعايش الديني و الاقتصادي و السياسية.
لهذا فإن طي ملف الصحراء وتفكيك عصابة البوليساريو الارهابية ليس سوى إزالة لعقبة أمام تعزيز هذا الدور المغربي كمنصة أطلسية تربط إفريقيا بأوروبا والعالم .. وتتعاون مع جميع الأقطاب المؤثر في صناعة القرارات الدولية الكبرى (واشنطن، باريس، تل أبيب، بكين، موسكو… ) دون انحياز إيديولوجي صارم.
النظام الجزائري عند مفترق طرق تاريخي
يواجه النظام في الجزائر ضغوطا وجودية فبينما تدفع صفقة القرن الموسعة نحو إنهاء هيمنة “عقلية الأخوان والعسكر” في الحكم لصالح نخب تكنوقراطية تدير اقتصاد رقمي معولم .. يجد النظام الجزائري نفسه عالق في نموذج القرن العشرين .. فالتصريحات الروسية الأخيرة التي قللت من شأن نزاع الحدود .. والمقارنات الداخلية بوضع فنزويلا .. ليست سوى إشارات على عزلة نموذج سياسي واقتصادي لم يعد مقبولا في النظام الدولي الناشئ. إن عجز نظام الكابرانات عن الاستجابة لمتطلبات المرحلة الجيواستراتيجية لعام 2026 .. و عدم قدرتهم على تجديد نفسه .. يهدده إما بالتفكك الداخلي أو بإقصاء قسري عن خريطة التحالفات الإقليمية الجديدة.
مغرب الاستقرار و القطب الإقليمي الناشئ.
في مقابل هذا الارتباك يبرز المغرب كمستفيد رئيسي وصانع للتحول لقد فهم مبكرا أن المستقبل للدول التي تقدم نفسها كمراكز لوجستيكية ومالية وتقنية و دبلوماسية أمنية ناعمة .. وليس كقلاع لأيديولوجيات منغلقة .. وراعية للارهاب و العنف و القمع الهمجي الرحلات .. فاعتراف واشنطن بالسيادة المغربية على الصحراء وتصريحات الدعم الأوروبية .. والرهان الصيني والروسي على المغرب كشريك .. كلها تعكس ثقة المنظم الدولي في النموذج المغربي الصاعد القائم على الاستقرار و الاستثمار والانفتاح الاقتصادي ..
هذا الموقع يؤهله ليكون المحور الأساسي لمشروع الأطلسي العابر للقارات الذي يحلم به صناع السياسة في الغرب .. والذي يربط أمريكا الشمالية بأفريقيا وأوروبا عبر شبكة من الاستثمارات في الطاقة النظيفة والبنى التحتية الرقمية.
خاتمة: ولادة شرق أوسط جديد
الصورة الكلية التي تتبلور في الدهن تؤشر إلى أن الضغط على كابرانات الجزائر لانسحاب و فتح الباب لنخب ديمقراطية تحكم بدلها .. والمساعي لتسوية قضية الصحراء المغربي والمشهد المتأزم في الشرق الأوسط هي أجزاء مترابطة من فسيفساء واحدة تسير بنا لولادة عالم جديد.
وهو الهدف النهائي الذي تسير إليه النيوليبرالية ولادة شرق أوسط جديد تطوى فيه ملفات الصراعات التاريخية (فلسطين، الصحراء، الحدود الموروثة) و يعاد فيه ترتيب الأنظمة السياسية (في إيران، سوريا، العراق، اليمن، لبنان، الجزائر) لصالح فضاء إقليمي تسوده تحالفات أمنية واقتصادية مرنة وعابرة للأيديولوجيا.
في هذا المشهد يبدو أن الدول التي ترفض هذا التحول أو تعجز عن التكيف معه .. ستواجه مصيرا قاسيا .. إما التفكك الداخلي تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية أو الإقصاء إلى هامش النظام الدولي الجديد حيث تحكم “الدكاء الاصطناعية والمنصات الرقمية العابرة للعقول والحدود” عام 2026 قد يكون عام إعادة التشكيل التكثلات الدولية الكبرى.
*باحث في الشأن الديني السياسي






تعليقات الزوار ( 0 )