تزامنا مع احتفالات ثاني أيام عيد الفطر المبارك، تحولت فيلا البروفيسورة مريم آيت أحمد بمدينة القنيطرة إلى ملتقى قاري استثنائي يجمع العشرات من الطلبة الوافدين من دولتي إندونيسيا وماليزيا.
توافد هؤلاء الباحثون من مدن جامعية مختلفة كالرباط وفاس والقنيطرة تلبية لدعوة دأبت صاحبتها على إرساء تقاليدها طيلة ثلاث عشرة سنة متواصلة لتصبح موعدا قارا في أجندتهم.
يمثل هذا التجمع الميداني اختراقا ثقافيا يتجاوز المردودية الفعلية للتمثيليات الدبلوماسية الرسمية، حيث يقدم نموذجا عمليا وتطبيقيا لإدارة التنوع الثقافي بعيدا عن تعقيدات البروتوكول والشكليات الإدارية الجافة.
يتابع جميع هؤلاء الحاضرين مساراتهم العلمية في تخصصات الدراسات الإسلامية، موزعين بين مسالك التعليم العتيق الأصيل ومختلف المدرجات الجامعية المغربية بمن فيهم طلبة البروفيسورة مريم آيت أحمد بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية لجامعة ابن طفيل.
تتطلب هذه الكتلة البشرية الآسيوية تأطيرا منهجيا يتعدى قاعات الدرس ليشمل الاحتضان الاجتماعي المباشر لتخفيف وطأة الاغتراب الجغرافي والثقافي عنهم. وذلك تحديدا ما توفره هذه المبادرة الفردية، بديلا ميدانيا دافئا يعوض غياب آليات الدمج المؤسساتي، مما يسهم في تحقيق استقرار نفسي ينعكس إيجابا على جودة التحصيل المعرفي.
فبفضل هذا الاحتضان العائلي، يتمكن الطالب الآسيوي من تجاوز صدمة البدايات ليندمج بسلاسة في النسيج المجتمعي المغربي متفرغا لمساره البحثي المتقدم.
داخل هذا الفضاء الاحتفالي المريح، تبلور مشهد ثقافي بهيج يعكس عمق الاندماج الحاصل بين الضيوف الآسيويين والبلد المضيف عبر مبادرات ذاتية وعفوية.
بادر الطلبة إلى أداء النشيد الوطني المغربي بإتقان لافت ومبهر، إلى جانب ترديد الأناشيد الرسمية الخاصة ببلدانهم الأصلية بكل فخر واعتزاز.
ساهمت هذه اللوحة الفنية التعبيرية في تذويب الفوارق الجغرافية، لتختتم الفعاليات بفقرات إنشادية تنهل من الموروث الروحي والديني المتميز لكل من المغرب وإندونيسيا.
تكرس هذه الممارسات تقاربا وجدانيا متينا يشكل أرضية خصبة لأي عمل مشترك، محولا الفضاء الخاص إلى مختبر حي لحوار الحضارات.
تفاعلا مع هذا الزخم الروحي، وجهت البروفيسورة مريم آيت أحمد كلمة توجيهية شاملة حددت من خلالها معالم المشروع الفكري والاجتماعي المشترك.
شددت المتحدثة على طابع الاستمرارية الذي يطبع هذا الموعد السنوي كمحطة لتقييم التعاون، حاثة الحاضرين على تحمل مسؤولياتهم التاريخية فور عودتهم إلى أوطانهم.
يشكل هذا التكليف المباشر للطلبة للقيام بدور السفراء الفعليين للمملكة امتدادا عمليا لمشروع التحالف الحضاري الذي تشتغل عليه الأستاذة منذ سنوات طوال.
ويترجم هذا المسار تحولا جذريا وضروريا في وظيفة الأستاذ الجامعي، لينتقل من مجرد ملقن للنظريات إلى صانع للقيادات وموجه للقرارات الاستراتيجية.
تكتسي هذه المجهودات الميدانية أهمية استراتيجية بالغة بالنظر إلى حجم التنافس الإقليمي والدولي الشرس حول استقطاب النخب في منطقة جنوب شرق آسيا.
تعتبر إندونيسيا أكبر دولة مسلمة في العالم من حيث التعداد السكاني وترافقها ماليزيا كقوة اقتصادية صاعدة، مما يحولهما إلى مجال حيوي لصراع النفوذ المباشر.
تتنقل الأستاذة المشرفة بشكل متكرر ومكثف نحو كبريات الجامعات في هذين البلدين لبناء جسور التواصل، مزاحمة بذلك مؤسسات دينية عريقة كالأزهر الشريف.
وتنجح هذه التحركات الأكاديمية الفردية في تجاوز النفوذ المدعوم بالإمكانيات المادية الهائلة والضخمة التي ترصدها كل من السعودية والإمارات في تلك المناطق.
يعتمد هذا الاختراق المغربي اللافت على تسويق النموذج الديني المعتدل وربطه بمسارات البحث الرصين لمعالجة القضايا المعاصرة بعيدا عن لغة المال والهبات.
تقدم أطاريح الدكتوراه المنجزة تحت إشرافها بمختبر علوم الأديان بجامعة ابن طفيل إجابات علمية دقيقة لاحتياجات المجتمعات الآسيوية بناء على المقاربة المقاصدية الشاملة.
كما تتقاطع هذه المخرجات الأكاديمية مع الأنشطة الميدانية المبرمجة لتحصين الوافدين، حيث يجدون في هذا الطرح الفكري ملاذا آمنا ومرجعية صلبة.
يتحول هذا التأطير العلمي إلى حصن منيع يحمي الطلبة من تيارات التطرف المذهبي التي تحاول التغلغل بقوة عبر المنح الدراسية السخية والتوجهات الإيديولوجية المستوردة.
تتخذ هذه الدينامية طابعا مؤسساتيا متينا يتجاوز الفضاء العائلي ليتجسد في الإشعاع الميداني الواسع لمركز إنماء الذي تديره البروفيسورة بكفاءة واقتدار عاليين.
يضطلع هذا الفضاء بأدوار محورية في تأطير المبادرات الإنسانية والعلمية الموجهة للآسيويين، مشكلا منصة حيوية لتطوير المهارات القيادية لدى الباحثين وفق خطط مدروسة.
يتكفل المركز بسد الفراغ المهول الذي تتركه الجهات الرسمية في مجال التتبع البعدي للخريجين، مرسخا قواعد دبلوماسية موازية وناجعة.
تعتمد هذه الآلية المؤسساتية على استدامة التواصل واستثمار الكفاءات المتخرجة في مشاريع تنموية وثقافية مشتركة تعود بالنفع المباشر على البلدين.
بمجرد عودتهم إلى جاكرتا أو كوالالمبور ومختلف الجزر المجاورة، يحمل الخريجون زادا معرفيا وروحيا يطبع مساراتهم المهنية والسياسية بشكل جلي.
يتحول هؤلاء الشباب فورا إلى مدافعين أوفياء وشرسين عن القضايا الوطنية للمملكة وفاعلين أساسيين في تيسير قنوات التبادل الاقتصادي والثقافي.
تثبت هذه الممارسة المتراكمة تفوقها الساحق مقارنة بالحملات الدبلوماسية الموسمية المكلفة ماليا والتي تظل محدودة الأثر على أرض الواقع المعقد.
وأبعد من هذا، يتصدى الخريجون بفضل تكوينهم الموازي لمختلف الحملات التي تستهدف المصالح العليا للمغرب داخل المحافل الآسيوية، معوضين بذلك القصور الواضح في الأداء الدبلوماسي الرسمي.
يشكل البعد الجغرافي الشاسع معيقا موضوعيا في إدارة العلاقات الدولية المعاصرة بين القارتين الإفريقية والآسيوية وتطوير مسارات التعاون المشترك بينهما، فيما تنجح المقاربة الشاملة المعتمدة في تقليص هذه المسافات عبر التركيز الفعال على المشترك الحضاري كرافعة لبناء شبكة علاقات غير رسمية تتميز بالمرونة الفائقة.
تصبح هذه الشبكات الجامعية أداة استشرافية دقيقة ترصد التحولات المجتمعية في عمق آسيا بعيدا عن التقارير الكلاسيكية النمطية والجاهزة، حيث توفر هذه الآلية المبتكرة لصناع القرار في المغرب قواعد بيانات حية وموثوقة تخدم المصالح الدبلوماسية والتجارية، وتؤسس لشراكات استراتيجية مبنية على الفهم المتبادل.
تواجه هذه المكتسبات الميدانية الاستراتيجية المحققة في عمق القارة الآسيوية تحدي الاستدامة لارتهانها حصرا بالمبادرات الفردية والتمويل الذاتي للفاعل الأكاديمي.
وتتسع الهوة يوما بعد يوم بين حيوية هذه الدبلوماسية الجامعية الناجعة وبين جمود القطاعات الحكومية الوصية الغائبة تماما عن توفير الدعم اللوجستي والمادي والمواكبة.
يتحتم على الأجهزة الرسمية المعنية بملف العلاقات الخارجية تجاوز مقارباتها المتكلسة بشكل مستعجل لاستثمار هذا الرصيد البشري الهائل المتراكم داخل المدرجات.
كما يفرض الواقع الجيوسياسي توفير الغطاء المالي لضمان استمرارية هذه الأوراش قبل التفريط في هذه النخب المتميزة لصالح القوى الإقليمية المتربصة والجاهزة لاستقطابهم.


بارك الله فيك جهود البروفيسورة مريم أيت أحمد، ونفع الله بها العباد و البلاد، وجزاها الله عنا خير الجزاء.
مشكورة الاستاذة الفذة مريم ايت احمد على هذه المجهودات في تأطير الكوادر العلمية لتمتين الروابط الدينية والأخوية بين شباب الامة الواعد من المغرب الى المشرق لحمل مشعل التدين الوسطي السني وللذب على وحدة الامة الاسلامية وحفظ دينها.