أثار انتشار تسميات وصفت بـ“الغريبة والدخيلة” على واجهات المقاهي والمطاعم والمحلات التجارية جدلا واسعا في المغرب، وسط تساؤلات متزايدة حول مدى احترام هذه الأسماء للهوية الثقافية واللغوية الوطنية، حيث إن هذا الجدل انتقل إلى المؤسسة التشريعية، بعدما بادر الفريق الاشتراكي بمجلس النواب إلى مساءلة وزارة الصناعة والتجارة بشأن الإطار القانوني المؤطر لهذه الممارسات.
وجاءت هذه الخطوة في ظل تنامي ملاحظات بشأن اعتماد أسماء هجينة أو غير مفهومة، بل وأحيانا تحمل إيحاءات غير لائقة، وهو ما اعتبره كثيرون مسًا بصورة المدن المغربية وقيمها الحضارية، كما يطرح الموضوع تحديات جديدة في ظل تزايد الرهان على الجاذبية السياحية، بما يفرض إعادة التفكير في توازن دقيق بين حرية الاستثمار واحترام الخصوصية الثقافية.
-حرية التسمية
في تقديره للجدل القائم، يشدد نور الدين الحراق، رئيس الجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب، على ضرورة وضع مسألة أسماء المقاهي والمطاعم في سياقها القانوني السليم، معتبرا أن اختيار اسم المحل يندرج أساسا ضمن حرية الاستثمار والمبادرة الخاصة.
وشدد الحراق في تصريح لجريدة “الشعاع”، على أنها حرية مضمونة ومؤطرة بالقوانين الجاري بها العمل، لافتا إلى أن الأصل هو الإباحة، ما لم يكن هناك نص قانوني صريح يمنع نوعا معينا من التسميات.
وأكد في هذا الإطار أنه إلى حدود الساعة لا يوجد أي نص قانوني يمنع اعتماد أسماء أجنبية أو مركبة، طالما أنها لا تمس النظام العام ولا تتضمن مضامين مخالفة للقانون أو تحمل إيحاءات غير مقبولة.
واعتبر رئيس الجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب، أن النقاش الحالي، رغم مشروعيته من زاوية ثقافية، ينبغي ألا يحمل ما لا يحتمل من حيث الإلزام القانوني.
وأبرز أن حرية اختيار الأسماء تظل جزءا من مناخ الأعمال، حيث يفترض أن يتمتع المستثمر بهامش من المبادرة والإبداع في تقديم مشروعه، بما في ذلك هويته البصرية والتجارية، دون قيود غير مؤسسة قانونيا.
-منطق السوق
من زاوية مهنية، يوضح الحراق أن اختيار أسماء المقاهي والمطاعم لا يتم بشكل اعتباطي، بل يخضع في الغالب لمنطق تسويقي محض، إذ يسعى المستثمر إلى اختيار اسم قادر على جذب الانتباه واستقطاب الزبناء في سوق يتسم بالمنافسة الشديدة.
وأضاف رئيس الجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب، أن المشروع التجاري في نهاية المطاف، يحتاج إلى عناصر تميزه وتمنحه قابلية أكبر للنجاح والاستمرارية.
ويرى أن اعتماد بعض الأسماء الأجنبية أو المركبة قد يكون مرتبطا بمحاولة مواكبة توجهات السوق أو استهداف فئات معينة من الزبناء، خاصة في المدن الكبرى التي تعرف تنوعا ثقافيا وسياحيا متزايدا.
واستطرد المتحدث ذاته، أن هذه الاختيارات لا تعكس بالضرورة قطيعة مع الهوية، بقدر ما تعكس تفاعلا مع متطلبات السوق.
ومع ذلك، لا ينفي الحراق وجود حضور قوي للأسماء المستلهمة من الثقافة المغربية، سواء من حيث اللغة أو الرمزية أو الذاكرة المحلية، مشيرا إلى أن عددا كبيرا من المقاهي والمطاعم يحرص على إبراز هذا البعد، ما يعكس ارتباطاً قائماً بالهوية الوطنية وليس انقطاعاً عنها.
-أولويات القطاع
في مقابل هذا الجدل، يلفت الحراق إلى أن التركيز المفرط على أسماء المحلات قد يحجب قضايا أكثر إلحاحا يعيشها القطاع، معتبرا أن المهنيين يواجهون اليوم تحديات بنيوية حقيقية تتطلب نقاشا أعمق وإجراءات عملية.
ويأتي على رأس هذه الإشكالات، حسب تصريحه، الثقل الضريبي والجبائي الذي يثقل كاهل المقاولات، خاصة الصغيرة والمتوسطة منها، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على توازنها المالي وقدرتها على الاستمرار.
وأشار إلى غياب إطار قانوني واضح ومحدد ينظم قطاع المقاهي والمطاعم بشكل دقيق، الأمر الذي يخلق نوعاً من الضبابية في القواعد المؤطرة للنشاط.
وإلى جانب ذلك، يتحدث الحراق عن إكراهات متعددة تواجه المهنيين، سواء على مستوى التكاليف التشغيلية أو المنافسة غير المتكافئة أو صعوبات الاستقرار المهني، ما يجعل واقع القطاع أكثر تعقيداً مما قد يبدو من خلال النقاش الدائر حول التسميات.
-دعوة للتوازن
يعبر الحراق عن تقديره لدور المؤسسة التشريعية في إثارة القضايا المرتبطة بالشأن العام، لكنه في المقابل يدعو إلى توجيه النقاش نحو جوهر المشاكل التي تؤثر فعليا على القطاع، بدل الاكتفاء بالجوانب الشكلية.
وأكد على أن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن فقط في طبيعة أسماء المحلات، بل في خلق بيئة اقتصادية وتنظيمية عادلة ومستقرة، تمكن المهنيين من العمل في ظروف واضحة ومنصفة، وتوفر لهم شروط الاستمرارية والتطور.
ولفت رئيس الجامعة الوطنية لأرباب المقاهي والمطاعم بالمغرب، إلى أن إصلاح هذه الجوانب، سيكون له أثر مباشر على تحسين أداء القطاع وتعزيز مساهمته في الاقتصاد الوطني.
وشدد على أن تحقيق هذا التوازن بين حرية الاستثمار واحترام الخصوصية الثقافية يظل ممكنا، شريطة اعتماد مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد، دون إغفال الأولويات الحقيقية التي تهم المهنيين والعاملين في هذا المجال الحيوي.



تعليقات الزوار ( 0 )