يكشف ملف (الفراقشية) كما عرضته مجلة “ملفات” عن واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الاقتصاد المغربي، حيث يتقاطع الدعم العمومي مع مصالح لوبيات اقتصادية قوية استطاعت، وفق معطيات التحقيق، تحويل سياسات الدعم إلى مصدر ربح ضخم بدل أن تكون آلية لضبط السوق وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.
ويضع هذا الملف الذي أنجزه يوسف الحيرش، الإعلامي الذي اشتهر بتحقيقات متنوعة، تحت المجهر شبكة معقدة من العلاقات بين الفاعلين الاقتصاديين والمؤسسات، في سياق يتسم بضعف الشفافية وغياب آليات الرقابة الصارمة.
منذ بداية اعتماد الحكومة لسياسات دعم استيراد المواشي واللحوم الحمراء، تم ضخ مليارات الدراهم بهدف مواجهة ارتفاع الأسعار وضمان وفرة العرض في السوق الوطنية. غير أن النتائج، كما يوثق الملف، جاءت عكسية في كثير من الأحيان، حيث ارتفعت الأسعار بشكل ملحوظ، بينما تضخمت أرباح المستوردين والوسطاء، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة هذه السياسات.
تشير المعطيات الواردة في التحقيق إلى أن القيمة الإجمالية للإعفاءات الجمركية والضريبية التي استفاد منها المستوردون بلغت حوالي 76 مليار درهم، وهو رقم يعكس حجم التدخل العمومي في هذا القطاع الحيوي . غير أن هذا الدعم لم ينعكس إيجابا على المستهلك، بل ساهم في إعادة توزيع الثروة لفائدة فئة محدودة من الفاعلين.
أحد أبرز مظاهر الخروقات التي رصدها الملف يتمثل في غياب الشفافية في تحديد المستفيدين الحقيقيين من الدعم، حيث تهيمن شركات محدودة على حصة كبيرة من السوق، مستفيدة من تسهيلات جمركية وضريبية ومن ولوج ميسر إلى آليات التمويل والدعم. ويعزز هذا الوضع ما وصفه التحقيق بـ”لوبي المال والسلطة” الذي أصبح يتحكم في مفاصل القرار الاقتصادي ويؤثر في توجيه السياسات العمومية .
كما يبرز التحقيق وجود اختلالات بنيوية في سلسلة إمداد اللحوم الحمراء، حيث تتعدد حلقات الوساطة بين المنتج والمستهلك، ما يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل غير مبرر. وتُظهر المعطيات أن الوسطاء يحققون هوامش ربح مرتفعة، في حين يظل الفلاح الصغير الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، إذ لا يستفيد بشكل مباشر من الدعم العمومي.
ومن بين الخروقات التي يسلط عليها الضوء أيضا، ضعف المراقبة على عمليات الاستيراد، حيث تم تسجيل تفاوتات كبيرة في التصريحات المتعلقة بالكميات والأسعار، ما يفتح الباب أمام ممارسات غير قانونية مثل التصريح الناقص أو التلاعب بالفواتير. كما تشير بعض الوثائق إلى وجود تفاوتات بين الأسعار المصرح بها عند الاستيراد وتلك المعتمدة في السوق الداخلية.
في السياق ذاته، يكشف الملف أن كلفة استيراد اللحوم لا تمثل سوى جزء من السعر النهائي الذي يتحمله المستهلك، إذ تصل نسبة تكلفة الأعلاف والتغذية إلى حوالي 65 في المائة من كلفة الإنتاج، بينما تتوزع باقي النسب على النقل والضرائب وهوامش الربح . غير أن هذه المعطيات لا تبرر الارتفاع الكبير في الأسعار، ما يعزز فرضية وجود مضاربات واحتكار داخل السوق.
كما تم رصد خروقات تتعلق بتوزيع الدعم، حيث لا توجد آليات واضحة لتتبع مسار الأموال العمومية، ما يجعل من الصعب تقييم مدى استفادة الفئات المستهدفة. ويؤكد التحقيق أن جزءا من الدعم يتحول فعليا إلى أرباح صافية للمستوردين، دون أن يمر عبر قنوات تضمن إعادة توزيعه بشكل عادل.
وتبرز كذلك إشكالية تضارب المصالح، حيث تشير المعطيات إلى وجود تداخل بين بعض الفاعلين الاقتصاديين ومراكز القرار، ما يطرح تساؤلات حول استقلالية السياسات العمومية. هذا التداخل يسهم في تكريس وضعية احتكارية، ويحد من فرص المنافسة العادلة داخل السوق.
من جهة أخرى، يكشف الملف عن ضعف في آليات الضبط، حيث لا تلعب المؤسسات الرقابية دورها بشكل كاف في تتبع الاختلالات ومعالجتها. كما أن غياب معطيات دقيقة ومحيّنة حول السوق يجعل من الصعب اتخاذ قرارات مبنية على أسس علمية، ما يفتح المجال أمام التقديرات والقرارات الظرفية.
وفي ما يتعلق بسلسلة الإنتاج، يشير التحقيق إلى أن المغرب يعتمد بشكل كبير على استيراد الأعلاف، ما يجعل القطاع عرضة لتقلبات الأسواق الدولية. غير أن هذا العامل الخارجي لا يفسر وحده الارتفاع الحاد في الأسعار، خاصة في ظل استمرار الدعم العمومي.
كما يسلط الملف الضوء على ما وصفه بـ”حكومة اللوبيات”، حيث يتم توجيه السياسات بما يخدم مصالح فئات محددة، بدل تحقيق التوازن بين مختلف الفاعلين. هذا الوضع يؤدي إلى اختلالات عميقة في السوق، ويقوض ثقة المواطنين في المؤسسات.
ومن أبرز الأرقام التي يقدمها التحقيق، بلوغ مجموع الإعفاءات الموجهة لاستيراد الأبقار والأغنام إلى حدود سنة 2025 حوالي 28.7 مليار درهم ، وهو ما يعكس حجم الموارد العمومية التي تم توجيهها لهذا القطاع دون تحقيق النتائج المرجوة على مستوى الأسعار.
كما يكشف التحقيق عن وجود تفاوت كبير بين سعر الاستيراد وسعر البيع النهائي، حيث يمكن أن يصل هامش الربح إلى مستويات مرتفعة، خاصة في ظل غياب سقف محدد للأسعار أو آليات فعالة لضبطها. هذا الوضع يشجع على المضاربة ويؤدي إلى ارتفاع غير مبرر في الأسعار.
ويشير الملف كذلك إلى أن الدعم الموجه للقطاع لم يكن مصحوبا بإصلاحات هيكلية، مثل تحسين الإنتاج المحلي أو دعم الفلاحين الصغار، ما يجعل من هذه السياسات مجرد حلول ظرفية لا تعالج جذور المشكلة.
ويقدم ملف “الفراقشية” صورة مركبة عن اقتصاد قائم على الريع، حيث تتحول السياسات العمومية إلى أدوات لإعادة توزيع الثروة لفائدة فئات محدودة، في ظل غياب الشفافية والمحاسبة. ويؤكد التحقيق أن استمرار هذه الاختلالات من شأنه أن يعمق الفوارق الاجتماعية ويقوض أسس العدالة الاقتصادية.
ويخلص التقرير إلى أن معالجة هذا الملف تتطلب إصلاحا عميقا يشمل تعزيز الشفافية، وتفعيل آليات الرقابة، وضمان تكافؤ الفرص داخل السوق، إضافة إلى إعادة توجيه الدعم نحو الفئات المستحقة، بما يحقق التوازن بين حماية المستهلك ودعم الإنتاج الوطني.
في ظل هذه المعطيات، يظل السؤال المطروح هو إلى أي حد يمكن للدولة أن تستعيد زمام المبادرة في ضبط السوق ومواجهة نفوذ اللوبيات، بما يضمن تحقيق العدالة الاقتصادية ويعيد الثقة في السياسات العمومية.



تعليقات الزوار ( 0 )