يواصل المغرب خلال عام 2026 ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة تربط بين أوروبا وإفريقيا ومنطقة المتوسط، مستفيدا من موقعه الجغرافي الاستراتيجي وسياسات صناعية وتجارية عززت حضوره في سلاسل التوريد العالمية.
وتحول المغرب خلال السنوات الأخيرة من منصة تصنيع منخفضة التكلفة إلى مركز صناعي متقدم في مجالات السيارات والطيران والطاقة المتجددة والمعادن الحيوية، في وقت يسعى فيه إلى توسيع نفوذه الدبلوماسي والاقتصادي داخل القارة الإفريقية.
وأشار تقرير صادر عن “مركز ستيمسون” الأمريكي للأبحاث إلى أن المغرب بات يشغل موقعا استراتيجيا متقدما بين أوروبا وإفريقيا ومنطقة الساحل، مستفيدا من سياسة خارجية قائمة على توظيف المصالح الاقتصادية والأمنية لتعزيز نفوذه الإقليمي.
واعتبر التقرير أن المملكة تحولت من مجرد شريك أوروبي في ملفات الهجرة والأمن إلى فاعل إقليمي مؤثر في مجالات الصناعة والطاقة والتجارة العابرة للقارات.
ويقود العاهل المغربي الملك محمد السادس هذا التحول عبر استراتيجية تقوم على توظيف الموقع الجغرافي للمملكة لتطوير الشراكات الاقتصادية والأمنية مع أوروبا وإفريقيا والولايات المتحدة ودول الخليج.
كما عزز المغرب حضوره الإقليمي من خلال سياسة خارجية تقوم على تحقيق توازن بين المصالح الاقتصادية والتحالفات السياسية، ما جعله فاعلًا رئيسيًا في قضايا الهجرة والطاقة والأمن بمنطقة المتوسط والساحل الإفريقي.
وعلى المستوى الاقتصادي، حقق المغرب نموًا ملحوظًا في قطاع الصناعة، خاصة في مجال تصنيع السيارات، حيث أصبح أكبر منتج للسيارات في إفريقيا متجاوزا جنوب إفريقيا، مع إنتاج يتجاوز مليون سيارة سنويًا.
وتستحوذ صادرات السيارات ومكوناتها على نحو ربع صادرات المملكة، مدعومة باستثمارات ضخمة لشركات عالمية مثل رينو وستيلانتيس، إلى جانب شبكة واسعة من الموردين المحليين والدوليين.
كما حافظ قطاع الفوسفات على مكانته الاستراتيجية داخل الاقتصاد المغربي، إذ يسيطر المغرب على نحو 70% من الاحتياطات العالمية للفوسفات عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفات.
واتجهت المملكة خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع الصناعات التحويلية المرتبطة بالفوسفات والأسمدة بدل الاكتفاء بتصدير المواد الخام، ما عزز حضورها في الأسواق الإفريقية والأوروبية والآسيوية.
وفي قطاع المعادن الحيوية، يبرز المغرب كمركز متنامٍ لصناعة مكونات البطاريات الخاصة بالسيارات الكهربائية، مستفيدًا من احتياطاته من الكوبالت والنحاس والمنغنيز والفوسفات.
وشهدت المملكة استثمارات صينية وأوروبية متزايدة لإنشاء مصانع متخصصة في مواد البطاريات والهيدروجين الأخضر، ضمن مساعي الدول الغربية لتنويع سلاسل الإمداد بعيدًا عن الاعتماد الكامل على الصين.
ويعكس ميناء طنجة المتوسط هذا التحول الاقتصادي، بعدما أصبح أكبر ميناء للحاويات في إفريقيا والبحر المتوسط، متجاوزا موانئ أوروبية كبرى من حيث حجم المناولة.
واستفاد المغرب من اتفاقيات التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتعزيز موقعه كمركز إقليمي للتصدير والصناعة والخدمات اللوجستية.
ويواجه الاقتصاد المغربي تحديات هيكلية مستمرة، أبرزها ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب في المدن، إضافة إلى اتساع الاقتصاد غير المهيكل والفوارق الاجتماعية بين المناطق الساحلية والداخلية.
كما تبقى مشاركة النساء في سوق العمل من بين الأدنى عالميا، رغم الإصلاحات الاجتماعية التي أطلقتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة.
وأطلق المغرب منذ عام 2021 مشروعا واسعا للحماية الاجتماعية يهدف إلى تعميم التغطية الصحية والدعم الاجتماعي على مختلف فئات المجتمع بحلول 2025، في خطوة تعتبر من أكبر الإصلاحات الاجتماعية في تاريخ المملكة الحديث. وتعتمد هذه الإصلاحات على إعادة توجيه الدعم الحكومي وتحسين موارد الضرائب وتعزيز الرقمنة الإدارية.
وعلى صعيد الطاقة، يواصل المغرب الاستثمار بقوة في مشاريع الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر لتقليص اعتماده على واردات الطاقة التقليدية.
ويستهدف رفع حصة الطاقات المتجددة إلى أكثر من نصف القدرة الكهربائية بحلول 2030، مع تطوير مشاريع ضخمة للطاقة الشمسية والرياح، أبرزها مجمع نور ورزازات الشمسي.
كما يطمح المغرب إلى التحول إلى أحد أبرز منتجي الهيدروجين الأخضر عالميا، مستفيدا من قربه الجغرافي من أوروبا والطلب المتزايد على الطاقة النظيفة. وأعلنت المملكة عن مشاريع استثمارية بمليارات الدولارات لإنتاج الأمونيا الخضراء والوقود الصناعي الموجه للتصدير.
ورغم هذه الطموحات، يظل شح المياه أحد أخطر التحديات التي تواجه البلاد، بعدما تراجعت الموارد المائية بشكل حاد بسبب الجفاف المتكرر والتغيرات المناخية.
وتسعى الحكومة إلى مواجهة الأزمة عبر بناء محطات لتحلية مياه البحر وتوسيع مشاريع الربط المائي بين الأحواض المائية وتطوير تقنيات الري الحديثة.
وعلى المستوى الجيوسياسي، تواصل قضية الصحراء المغربية تشكيل محور السياسة الخارجية المغربية. وحقق المغرب خلال السنوات الأخيرة مكاسب دبلوماسية مهمة، أبرزها دعم الولايات المتحدة لمغربية الصحراء وتزايد تأييد الدول الإفريقية والأوروبية لمبادرة الحكم الذاتي التي تقترحها الرباط كحل للنزاع.
في المقابل، لا تزال العلاقات مع الجزائر تشهد توترا مستمرا بسبب الخلاف حول الصحراء الغربية المغربية، حيث قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب منذ عام 2021، وسط تصاعد المنافسة الإقليمية بين البلدين في مجالات النفوذ السياسي والأمني والطاقة.
كما عزز المغرب حضوره في إفريقيا عبر استثمارات واسعة للبنوك وشركات الاتصالات والأسمدة، إضافة إلى مشاريع استراتيجية مثل خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب، الذي يُنظر إليه باعتباره أحد أكبر مشاريع الطاقة في القارة الإفريقية.
وفي المجال الرقمي، يعمل المغرب على تنفيذ استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” وخطة “مغرب الذكاء الاصطناعي 2030”، بهدف تطوير الاقتصاد الرقمي وخلق مئات الآلاف من الوظائف الجديدة وتحويل المملكة إلى مركز تكنولوجي إقليمي في إفريقيا والعالم العربي.
وتشير المؤشرات الاقتصادية إلى استمرار نمو الاقتصاد المغربي خلال السنوات المقبلة، مدفوعا بالاستثمارات الصناعية ومشاريع البنية التحتية والطاقة النظيفة، إلا أن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطا بقدرة المملكة على معالجة الاختلالات الاجتماعية وتقليص البطالة وضمان تنمية أكثر توازنا بين مختلف المناطق.


تعليقات الزوار ( 0 )