تشهد الاستراتيجية الفرنسية في إفريقيا تحولا عميقا يعكس نهاية مرحلة وبداية أخرى، حيث تتخلى باريس تدريجيا عن حضورها العسكري المباشر في منطقة الساحل، لتعيد تموقعها عبر أدوات أكثر مرونة تقوم على الدبلوماسية والاستثمار والشراكات الإقليمية، وفي مقدمتها المغرب.
تقارير إسبانية، من بينها صحيفة “أتالايار” ترى أن هذا التحول لا يعكس انسحابا بقدر ما يمثل إعادة انتشار محسوبة في سياق جيوسياسي متغير.
وتبرز الصحراء المغربية كعنصر محوري في هذه المقاربة الجديدة، حيث لم تعد مجرد ملف نزاع إقليمي، بل تحولت إلى منصة استراتيجية لإعادة بناء النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا.
وتؤكد التحركات الميدانية، مثل زيارة السفير الفرنسي إلى مدينة العيون وافتتاح مؤسسة تعليمية فرنسية، أن باريس بدأت تتعامل مع المنطقة باعتبارها مجالا للاستثمار طويل الأمد، ضمن منطق “الوجود الهادئ” بدل الحضور العسكري المباشر.
ويتقاطع هذا التوجه مع دعم سياسي متزايد من فرنسا لمبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب، حيث تحافظ باريس رسميا على التزامها بإطار الأمم المتحدة، لكنها عمليا تعزز حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في الأقاليم الجنوبية، بما يعكس تحولا تدريجيا في موقفها.
ويقرأ هذا التحول في سياق أوسع تسعى فيه فرنسا إلى الحفاظ على نفوذها في إفريقيا، بعد تراجع حضورها في دول الساحل التي شهدت انقلابات عسكرية وتصاعدًا للخطاب المعادي للغرب.
ويلعب المغرب دورا محوريا في هذه المعادلة الجديدة، إذ لم يعد مجرد شريك سياسي، بل أصبح منصة إقليمية تربط إفريقيا بأوروبا، مستفيدا من حضوره الاقتصادي في دول إفريقيا جنوب الصحراء وشبكاته المالية والدبلوماسية المتنامية.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن هذا الموقع يمنح الرباط قيمة استراتيجية متزايدة في حسابات باريس، التي تبحث عن شركاء موثوقين لتعويض خسائرها في مناطق نفوذها التقليدية.
كما تتكامل هذه الرؤية مع تحركات فرنسية موازية، خاصة تجاه موريتانيا، التي تقدم كشريك أمني مستقر في منطقة مضطربة، ما يعكس استراتيجية “تطويق غير مباشر” لمنطقة الساحل عبر تحالفات إقليمية بدل التدخل العسكري المباشر.
وفي هذا السياق، تبرز مشاريع كبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي ومشاريع الطاقة المتجددة، إضافة إلى مشروع أنبوب الغاز نيجيريا المغرب، كعناصر أساسية في إعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية والجيوسياسية للمنطقة.
وأوضح التقرير الإسباني، أن هذا التحول لا يخلو من تحديات، إذ تراقب الجزائر هذا التقارب الفرنسي المغربي بقلق متزايد، معتبرة أنه قد يخل بتوازنات المنطقة. كما أن دخول قوى دولية أخرى، مثل روسيا والصين، يعقد المشهد ويزيد من حدة التنافس على النفوذ في إفريقيا.
واختارت فرنسا خوض “معركة النفوذ” بأساليب جديدة، أقل صخبا وأكثر عمقا، حيث تراهن على بناء علاقات طويلة الأمد عبر التعليم والاستثمار والشراكات الاستراتيجية.
ويخلص التقرير، إلى أن المغرب يبرز كفاعل مركزي في إعادة رسم التوازنات الإقليمية، ما يجعل الصحراء ليس فقط ملفا سياسيا، بل نقطة ارتكاز في صراع النفوذ الدولي في إفريقيا.




تعليقات الزوار ( 0 )