تتجدد حدة التوتر داخل قطاع النقل الطرقي بالمغرب مع الارتفاع الأخير في أسعار المحروقات، وهو ما أعاد النقاش حول كلفة التشغيل وحدود قدرة المهنيين على الاستمرار في ظل هذه التحولات المتسارعة، ورغم إعلان الحكومة عن إطلاق دعم استثنائي جديد لفائدة مهنيي النقل، امتدادًا لتجربة سابقة انطلقت سنة 2022، فإن ذلك لم يخفف من منسوب القلق داخل القطاع، خاصة في ظل استمرار تقلبات السوق الدولية للطاقة.
وجاء هذا الدعم في سياق محاولة تحقيق توازن دقيق بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية خدمات النقل، غير أن أصواتًا مهنية ترى أن الحلول الظرفية لم تعد كافية، وأن الحاجة باتت ملحة لإصلاحات هيكلية، في مقدمتها إقرار “الغازوال المهني” ومراجعة منظومة تسعير المحروقات، بما يضمن استقرارا حقيقيا للقطاع.
-تصاعد الكلفة
يرى منير بنعزوز، الكاتب العام للنقابة الوطنية لمهنيي النقل الطرقي، أن الزيادة الأخيرة التي قاربت درهمين في أسعار المحروقات تشكل ضغطا كبيرا على مهنيي القطاع، خاصة وأن تبريرها بالسياق الجيوسياسي، المرتبط بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، لا يعكس واقع تأثير هذه الأزمات على السوق، والتي تكون عادة على المدى المتوسط والبعيد، وليس بشكل فوري.
وأكد بنعزوز في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بالتحولات الدولية، بل بغياب ما يسميه “الأمن الطاقي” داخل السوق الوطنية، في ظل تحكم ما يصفه بـ”لوبيات المحروقات”، التي ظلت تؤثر بشكل مباشر على الأسعار منذ تحرير القطاع وإغلاق مصفاة “سامير”، وهو ما جعل المهنيين يواجهون وضعا غير مستقر منذ سنوات.
وأضاف الكاتب العام للنقابة الوطنية لمهنيي النقل الطرقي، أن هذه الوضعية أدت إلى تفاقم الأعباء المالية على السائقين والمهنيين، خاصة مع تزايد تكاليف الاستغلال، ما يجعل أي زيادة مفاجئة في أسعار المحروقات بمثابة ضربة قوية لتوازنهم الاقتصادي والاجتماعي.
-مطالب مستعجلة
يستحضر بنعزوز تجربة الإضراب الوطني الذي خاضه مهنيو النقل سنة 2022، والذي أعقبه إطلاق دعم حكومي استفاد منه المهنيون عبر عدة دفعات، ساهمت في التخفيف من حدة الأزمة آنذاك.
وشدد الكاتب العام للنقابة الوطنية لمهنيي النقل الطرقي، على ضرورة إعادة تفعيل هذا الدعم بشكل مستعجل، خاصة بعد الزيادات الأخيرة.
واعتبر أن هذا الدعم رغم أهميته، يظل إجراءًا ظرفيا، ما يستدعي فتح نقاش جدي حول مطلب “الغازوال المهني”، الذي يصفه بالمطلب الأساسي الذي لم يجد طريقه إلى التنفيذ رغم طرحه لسنوات، سواء مع الحكومة الحالية أو السابقة.
ودعا إلى فتح قنوات الحوار بين الحكومة والمهنيين بشكل عاجل، بهدف التوصل إلى حلول عملية ومستدامة، بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة التي لا تعالج جذور الإشكال.
-احتقان مهني
يحذر بنعزوز من تصاعد حالة الاحتقان داخل صفوف مهنيي النقل، في ظل استمرار الضغوط وغياب حلول ملموسة، مشيرا إلى أن القطاع قد يتجه نحو خطوات تصعيدية، من بينها خوض إضراب وطني، في حال عدم الاستجابة للمطالب خلال فترة قريبة.
وأكد أن تجربة المهنيين أظهرت أن تحقيق المكتسبات غالبا ما كان يتم عبر أشكال احتجاجية، وهو ما يعزز احتمال العودة إلى هذا الخيار في حال استمرار الوضع الحالي دون تدخل فعلي.
وأبرز أن هذا الاحتقان لا يقتصر على فئة دون أخرى، بل يشمل مختلف مكونات القطاع، ما ينذر بتداعيات أوسع قد تؤثر على سلاسل الإمداد والخدمات.
-تسعيرة النقل
بخصوص إمكانية مراجعة تسعيرة النقل، يوضح بنعزوز أن الأمر يختلف بين نقل البضائع ونقل الأشخاص، مشيرا إلى أن الأول يكتسي أهمية كبرى بحكم ارتباطه المباشر بتموين الأسواق، وأما نقل الأشخاص، فيتزامن مع فترات حساسة كالأعياد، ما يزيد من تعقيد أي قرار محتمل.
واستشهد بحالات ميدانية، من بينها تسجيل زيادات غير رسمية في بعض المدن، كما وقع في أكادير، حيث ارتفعت التسعيرة بشكل مفاجئ، وهو ما ينعكس سلبا على القدرة الشرائية للمواطنين، ويطرح إشكالية غياب تقنين واضح لهذه الزيادات.
وشدد على أن أي ارتفاع غير مؤطر في التسعيرة يؤدي في النهاية إلى تحميل المواطن كلفة الاختلالات، في حين “لوبيات المحروقات” المستفيد الأكبر من هذه الوضعية.
-حكامة القطاع
في سياق متصل، يثير بنعزوز إشكالية تدبير قطاع النقل، معتبرا أن ربطه بالأحزاب السياسية أثر سلبا على فعاليته، داعيا إلى فصله عن التجاذبات السياسية وجعله قطاعا تقنوقراطيا يعتمد على الكفاءة والخبرة.
وأكد أن قطاع النقل الطرقي لا يقتصر فقط على السائقين والشاحنات، بل يشكل منظومة اقتصادية متكاملة تشمل عدة متدخلين، من الوقود إلى قطع الغيار، مرورا بالضرائب والرسوم الطرقية، وهو ما يستدعي مقاربة شمولية في تدبيره.
وانتقد ما يعتبره غيابا للكفاءة في اتخاذ القرارات داخل القطاع، مشيرا إلى أن بعض السياسات المتبعة أدت إلى نتائج سلبية على المهنيين، داعياً إلى إصلاحات عميقة تضمن حكامة جيدة وتدبيراً فعالاً لهذا المرفق الحيوي.


تعليقات الزوار ( 0 )