يواجه مئات الآلاف من الأطفال المغاربة يوميا انتهاكات جسيمة لحقوقهم الأساسية داخل البيئة الأسرية، حيث تتحول المنازل الموصدة إلى مسارح صامتة لممارسات قاسية يقودها أولياء أمور مستهترون.
وتكشف الوقائع الميدانية وسجلات الجمعيات الحقوقية عن فرق شاسع بين الترسانة القانونية المصادق عليها وطنيا ودوليا، وبين واقع مرير يتجرع فيه القاصرون أصنافا متعددة من الإهمال الرعائي والمادي والصحي والنفسي.
وتتخذ هذه الانتهاكات أبعادا خطيرة تتدرج من الحرمان من التغذية السليمة والنظافة الجسدية، لتصل إلى ممارسة أبشع أنواع العنف الجسدي واللفظي والاقتصادي، مما يضع مفهوم المصلحة الفضلى للطفل على محك المساءلة الحقيقية ويعري القصور المجتمعي في توفير الحماية الفعلية للفئات الأضعف داخل البنية الاجتماعية.
وتتكرس مشاهد العنف الموجه ضد الطفولة في تفاصيل الحياة اليومية، وتتجاوز جدران البيوت لتطفو على السطح في الشوارع والأماكن العامة، حيث يتعرض الصغار للضرب والتعنيف المبرح والسب والشتم من طرف آبائهم وأمهاتهم دون تدخل من السلطات المختصة أو استنكار من المارة الذين يطبعون مع هذه السلوكيات ويعتبرونها شأنا داخليا وطريقة مشروعة في تقويم السلوك.
ويرافق هذا الاعتداء الجسدي واللفظي المباشر اضطهاد نفسي مبرمج يتجسد في التنمر الأسري والتحقير المستمر ومقارنة الطفل بأقرانه بشكل سلبي، مما يولد عقدا نفسية وانطواء وضعفا في الشخصية يصعب علاجه مستقبلا.
وفي مسار مواز، يسجل تنصل واسع للأولياء من مسؤولياتهم الرعائية الأساسية، ويبرز ذلك جليا في إهمال الجانب الصحي وتجاهل مواعيد التلقيح والفحوصات الطبية الدورية.
وتتفاقم الظاهرة عبر حرمان الأطفال من اللباس النظيف وإهمال نظافتهم الشخصية وتجاهل العناية بأسنانهم وأجسادهم، وتقديم وجبات غذائية رديئة تفتقر لأبسط المعايير الصحية، مما يهدد نموهم البيولوجي والإدراكي ويعرضهم للإصابة بأمراض سوء التغذية والتقزم ومختلف الآفات العضوية التي ترافقهم طيلة حياتهم.
ويشكل الهدر المدرسي القسري إحدى أوضح صور الانتهاك الممارس من طرف الآباء، حيث يجبر آلاف التلاميذ على مغادرة مقاعد الدراسة سنويا لأسباب واهية تتعلق بتفضيل العمل أو المساعدة في أشغال البيت لتخفيف العبء المادي.
وتستهدف هذه الظاهرة الإناث بشكل مكثف داخل الأوساط القروية وشبه الحضرية، ليتحول هذا الإبعاد المتعمد عن الفصول الدراسية إلى مقدمة لظاهرة عرض القاصرات وتزويجهن عبر التحايل الممنهج على المادة العشرين من مدونة الأسرة واستغلال الاستثناء القانوني الممنوح للقضاة لتحويله إلى قاعدة تزكي تزويج الطفلات.
وتأخذ الاستغلاليات أبعادا اقتصادية قاسية عبر الدفع بالذكور نحو سوق الشغل غير المهيكل والورشات الصناعية والميكانيكية المليئة بالمخاطر، أو تشغيل الفتيات كخادمات بيوت في خرق واضح للقانون رقم 19.12 المتعلق بتحديد شروط الشغل والتشغيل الخاصة بالعاملات والعمال المنزليين.
ويفرز غياب التوجيه التربوي السليم ترك جحافل من القاصرين عرضة للشارع وقوانينه القاسية، ومرافقة شبكات الانحراف، أو التخلي عنهم كليا لصالح شاشات الهواتف النقالة دون أدنى مراقبة لمحتوياتها وفترات استخدامها.
ويعمق الجهل بأسس علم التربية وغياب التكوين النفسي لدى الآباء والأمهات من حدة الاختلالات المذكورة، وتغيب مع هذا القصور المعرفي الملحوظ آليات التعامل السليم مع التغيرات السلوكية والفيزيولوجية للأبناء خلال مراحل النمو المختلفة وتحديدا فترة المراهقة الحرجة.
وتتعقد الوضعية داخل الأسر بتقديم الأولياء لنموذج سيء يفتقر للمسؤولية والقدوة الحسنة، عبر ممارسة سلوكيات منحرفة كالتدخين وتعاطي المخدرات داخل الفضاء العائلي، أو تبني خطابات عنيفة ولغة ساقطة أمام الأبناء مما يسهل عملية انتقال هذه السلوكيات عبر الأجيال.
وتتداخل هذه العوامل التربوية بشكل مباشر مع أزمة اقتصادية خانقة وصعوبة بالغة في توفير متطلبات العيش الكريم، حيث يولد غلاء الأسعار وتدني المداخيل ضغطا معيشيا يوميا يفرغه الآباء في أجساد ونفسيات أطفالهم، متحججين بضيق ذات اليد وظروف العمل الشاقة والاكتظاظ داخل مساكن غير لائقة لتبرير تقصيرهم الشامل في توفير الحاجيات الأساسية للرعاية والاهتمام والتواصل الأسري الفعال.
وتتضاعف المخاطر المحيطة بالطفل وتتشعب نتيجة كثرة المداخل الإعلامية المفسدة وانتشار شبكات الإنترنت غير الخاضعة للرقابة الأسرية والحماية الأبوية الصارمة.
وتبث هذه المنصات الرقمية المفتوحة محتويات تشجع على الانحراف والعنف وتمرر تحديات مميتة تستهوي المراهقين وتدفعهم لتجريب سلوكيات خطيرة.
ويؤدي هذا الاستهلاك الرقمي العشوائي والمفرط، في ظل غياب التوجيه العائلي الدقيق وتخلي الوالدين عن وظيفة الحوار لصالح إدمانهم الشخصي على نفس الشاشات، إلى بروز أزمات نفسية معقدة وحالات اكتئاب وعزلة حادة وسط القاصرين.
وتوثق السجلات الطبية والأمنية وأقسام المستعجلات تناميا ملحوظا ومقلقا لحالات الانتحار ومحاولات إيذاء النفس بين صفوف المراهقين والأطفال، كنتيجة حتمية لتضافر العنف الأسري والتنمر الرقمي وغياب الدعم العاطفي داخل البيئة المنزلية التي يفترض أن تشكل الملاذ الآمن والدرع الواقي من الصدمات الخارجية والاضطرابات.
ويواجه هذا النزيف المجتمعي والانتهاك اليومي لحقوق الطفولة تراخيا مؤسساتيا ملحوظا وغيابا للصرامة المطلوبة من قبل الجهات الرسمية المطالبة بتفعيل النصوص الجنائية وحماية الضحايا من بطش أوليائهم.
وتبقى القوانين المنصوص عليها في التشريع الجنائي المغربي والاتفاقيات الدولية المصادق عليها مجرد نصوص قانونية تفتقر لآليات التنفيذ الميداني الصارم والتدخل الاستباقي لإنقاذ الأطفال قبل وقوع مآسي جسدية أو نفسية غير قابلة للعلاج.
في المقابل، يعكس الفراغ السياسي المتمثل في غياب برامج حزبية وحكومية فعلية تستهدف هذه الفئة الهشة وتواكب الأسر بالدعم والتكوين والمصاحبة الاجتماعية، استقالة واضحة من تدبير واحد من أهم الملفات الاستراتيجية المحددة لمستقبل البلا.
كما يفرز هذا التجاهل الرسمي والاكتفاء بإنشاء خلايا استماع شكلية داخل المحاكم والمستشفيات ترك الملايين من الأطفال يواجهون مصيرا مظلما تحت رحمة أولياء مستهترين يفلتون يوميا من المحاسبة القانونية والمتابعة القضائية والرقابة الإدارية الملزمة بضمان سلامتهم وتأمين مسارهم الطبيعي نحو الاندماج الإيجابي والفعال في المجتمع.


تعليقات الزوار ( 0 )