أخبار ساعة

00:22 - أنبوب المغرب-نيجيريا.. هل يتحول إلى رافعة اقتصادية كبرى؟23:55 - الدار البيضاء تحتضن مؤتمر “تطوير الكفاءات 2026” لإعداد نخب مغرب 203023:50 - الممنوعون من “رخص” محلات غسل السيارات يناشدون عامل سيدي قاسم لإنقاذهم من الإفلاس23:35 - واشنطن تختار الرباط عضوا في فريق العمل الرئاسي لتأمين مونديال 202623:08 - قاعدة أرض الصومال.. نفوذ أمريكي أم مغامرة دبلوماسية في مواجهة إيران والحوثيين؟22:38 - إعفاءات التعليم تحت مجهر القضاء وتصاعد الجدل حول قانونية القرارات22:37 - رهان تجديد الفكر السياسي بالمغرب22:33 - متى تتحول خنيفرة إلى عاصمة سياحية بالمغرب؟؟22:18 - نظام القيد الإلكتروني بالمغرب بين هندسة التمويل وضوابط التنزيل21:46 - أمطار الربيع.. هل تعزز السيادة الغذائية؟
الرئيسية » مقالات الرأي » فيضانات وسط العطش: هل تعيد التقلبات المناخية رسم أولويات اقتصاد الماء بالمغرب؟

فيضانات وسط العطش: هل تعيد التقلبات المناخية رسم أولويات اقتصاد الماء بالمغرب؟

يشكل تزامن الفيضانات الأخيرة التي عرفتها عدة مناطق مغربية مع استمرار الحديث عن ندرة الماء مفارقة صارخة تعيد بقوة سؤال اقتصاد الماء إلى الواجهة. ففي بلد يصنف ضمن الدول التي تعاني إجهادًا مائيًا بنيويًا، تتحول كميات هائلة من المياه، خلال فترات قصيرة، من مورد نادر إلى خطر يهدد السكان والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية. هذه الوضعية لا يمكن تفسيرها فقط بتغير المناخ أو بتقلب التساقطات، بل تعكس أساسًا حدود النموذج المعتمد في تدبير الموارد المائية، والذي لا يزال قائمًا على منطق ردّ الفعل أكثر من الاستباق والتخطيط طويل الأمد.

تُظهر المؤشرات الرسمية أن أزمة الماء في المغرب ذات طابع هيكلي، إذ تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية من أكثر من 2500 متر مكعب سنويًا في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 600 متر مكعب حاليًا، مع توقعات بانخفاضه إلى ما دون 500 متر مكعب في أفق 2030، أي تحت عتبة الندرة الشديدة المعتمدة دوليًا. هذا التراجع يتزامن مع تزايد الطلب المرتبط بالنمو الديمغرافي والتوسع الحضري وتطور الأنشطة الاقتصادية، ما يجعل أي تساقطات استثنائية غير كافية لتعويض عجز تراكمي ممتد لسنوات. الفيضانات، في هذا السياق، لا تمثل حلًا للأزمة، بل تكشف اختلال التوازن بين العرض والطلب وسوء استغلال الموارد المتاحة.

لقد اعتمد المغرب، على مدى عقود، سياسة طموحة لبناء السدود الكبرى، مكّنته من تعبئة موارد مائية مهمة ودعم التنمية الفلاحية وتوفير الماء الشروب. غير أن الفيضانات الأخيرة أظهرت أن هذا النموذج بلغ حدوده في ظل تقلب مناخي متزايد. فالسدود، مهما بلغ عددها، لا تستطيع لوحدها احتواء كل مياه السيول المفاجئة، كما أن جزءًا مهمًا من هذه المياه يُفرغ اضطراريًا لحماية المنشآت، ليضيع في البحر دون الاستفادة منه في تغذية الفرشات المائية أو دعم الاحتياطات الجوفية. اقتصاد الماء اليوم يفرض تنويع أدوات التخزين والانتقال إلى حلول مرنة ومكملة، مثل السدود التلية، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.

من زاوية اقتصادية، تبرز الفيضانات كعامل كلفة مرتفعة على المالية العمومية. فالخسائر الناجمة عن تضرر الطرق والمنشآت العمومية، وانجراف الأراضي الفلاحية، وتعطّل الأنشطة الإنتاجية، غالبًا ما تتجاوز بكثير كلفة الاستثمارات الوقائية. تجارب دولية عديدة أثبتت أن كل وحدة نقدية تُستثمر في الوقاية من الفيضانات وتدبير الأحواض المائية بشكل مندمج توفر ما بين ثلاث إلى خمس وحدات من تكاليف إعادة الإعمار والتعويضات. في المغرب، ما تزال هذه المقاربة الوقائية ضعيفة الحضور في السياسات العمومية، رغم أن الفيضانات أصبحت حدثًا متكررًا لا استثناءً نادرًا.

كما تعيد هذه الظواهر الطبيعية تسليط الضوء على إشكالية استعمالات الماء، خصوصًا في القطاع الفلاحي الذي يستهلك ما بين 80 و85 في المائة من الموارد المائية المتاحة، دون أن يقابل ذلك دائمًا مردودية اقتصادية أو اجتماعية متناسبة. استمرار تشجيع محاصيل كثيفة الاستهلاك للماء في مناطق تعاني أصلًا من ندرة الموارد يطرح تساؤلات عميقة حول انسجام السياسات الفلاحية مع أهداف الأمن المائي. الفيضانات، بدل أن تُقرأ كحدث معزول، ينبغي أن تكون منطلقًا لإعادة تقييم النموذج الإنتاجي وربطه بمبدأ النجاعة المائية والقيمة المضافة.

تُظهر تجارب دول تواجه تحديات مشابهة، مثل إسبانيا أو أستراليا أو إسرائيل، أن الانتقال نحو اقتصاد ماء أكثر مرونة يمر عبر تنويع المصادر وإدارة الطلب بفعالية. فقد استثمرت هذه الدول في تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة بنسبة مرتفعة، وتسعير المياه بما يعكس كلفتها الحقيقية وندرتها، إلى جانب اعتماد تخطيط ترابي يأخذ بعين الاعتبار مخاطر الفيضانات. هذه المقاربات لا تلغي المخاطر المناخية، لكنها تحد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وتحوّل الماء من عنصر هشاشة إلى رافعة للاستقرار.

في المحصلة، لا تعني الفيضانات أن أزمة الماء في المغرب في طريقها إلى الحل، بل إنها تبرز بوضوح الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات اقتصاد الماء. التحدي الحقيقي لم يعد فقط في تعبئة الموارد، بل في كيفية تدبيرها بكفاءة وعدالة حين تتوفر، وحمايتها حين تغيب. وبين ندرة مزمنة وسيول متكررة، يصبح الانتقال نحو اقتصاد ماء ذكي، وقائي، ومندمج خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل، إذا أراد المغرب تأمين مستقبله المائي والاقتصادي في ظل عالم مناخي شديد التقلب.

دكتور في الاقتصاد وأستاذ زائر

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

رهان تجديد الفكر السياسي بالمغرب

14 أبريل 2026 - 10:37 م

في سياق التحولات العميقة التي يعرفها المغرب على المستويين السياسي والاجتماعي، يطفو إلى السطح سؤال مركزي يتعلق بمدى قدرة الفكر

متى تتحول خنيفرة إلى عاصمة سياحية بالمغرب؟؟

14 أبريل 2026 - 10:33 م

        تتميز بعض المدن بالمغرب باحتكار الاستقطاب الكبير للسواح سواء كانوا أجانب أو محليين فبالاضافة  إلى تربع العاصمة الحمراء مراكش

نظام القيد الإلكتروني بالمغرب بين هندسة التمويل وضوابط التنزيل

14 أبريل 2026 - 10:18 م

يشكل صدور العدد 7496 من الجريدة الرسمية بتاريخ 02 أبريل 2026 منعطف هام في تاريخ العدالة الجنائية المغربية، بحيث أن

المغرب ورهان الحكامة العالمية للذكاء الاصطناعي

14 أبريل 2026 - 12:43 ص

يشهد العالم اليوم سباقًا متسارعًا نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، باعتبارها محركًا رئيسيًا للتحول الاقتصادي والاجتماعي. وفي خضم هذا التحول،

الكرامة الإنسانية بين مصطفى وهبي التل ووالت ويتمان

13 أبريل 2026 - 9:59 م

     الكرامة الإنسانية شُعورٌ عميق بالقيمة الذاتية، والحقِّ في الحُريةِ والاعتراف، وهي النبراس الذي يستشرفه الأدبُ في أبهى صُوَره. في

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°