أخبار ساعة

02:39 - الجهادية في المغرب والجيل الجديد01:04 - من مطاردة القاعدة إلى التفاوض معها.. هل تستعد فرنسا لفتح صفحة جديدة مع جماعة نصرة الإسلام في مالي؟00:05 - استيفانيكو الأزموري: الأسير المغربي الذي تحول إلى أول مستكشف عظيم لأمريكا23:56 -  غويتيسُولو المُثقّف التنويريّ والمُفكّر والرّوائيّ الكونيّ23:40 - تحالف أمني عابر للمتوسط.. الرباط وباريس تخنقان شبكة دولية لتهريب الحشيش بميناء “سيت”21:59 - خريطة المملكة المبتورة من أقاليمها الجنوبية تضع كاتبة الدولة في الصيد البحري في مرمى الانتقادات21:51 - مختلّ عقلي يحاول اقتحام مقرّ بلدية سيدي قاسم20:26 - ترامب يحسم اليوم قراره النهائي بشأن الاتفاق مع إيران20:05 - إسبانيا تسجل رقما قياسيا في منح الجنسية للأجانب عام 2025 والمغاربة في الصدارة19:07 - من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان
الرئيسية » مقالات الرأي » فيضانات وسط العطش: هل تعيد التقلبات المناخية رسم أولويات اقتصاد الماء بالمغرب؟

فيضانات وسط العطش: هل تعيد التقلبات المناخية رسم أولويات اقتصاد الماء بالمغرب؟

يشكل تزامن الفيضانات الأخيرة التي عرفتها عدة مناطق مغربية مع استمرار الحديث عن ندرة الماء مفارقة صارخة تعيد بقوة سؤال اقتصاد الماء إلى الواجهة. ففي بلد يصنف ضمن الدول التي تعاني إجهادًا مائيًا بنيويًا، تتحول كميات هائلة من المياه، خلال فترات قصيرة، من مورد نادر إلى خطر يهدد السكان والبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية. هذه الوضعية لا يمكن تفسيرها فقط بتغير المناخ أو بتقلب التساقطات، بل تعكس أساسًا حدود النموذج المعتمد في تدبير الموارد المائية، والذي لا يزال قائمًا على منطق ردّ الفعل أكثر من الاستباق والتخطيط طويل الأمد.

تُظهر المؤشرات الرسمية أن أزمة الماء في المغرب ذات طابع هيكلي، إذ تراجع نصيب الفرد من الموارد المائية من أكثر من 2500 متر مكعب سنويًا في ستينيات القرن الماضي إلى أقل من 600 متر مكعب حاليًا، مع توقعات بانخفاضه إلى ما دون 500 متر مكعب في أفق 2030، أي تحت عتبة الندرة الشديدة المعتمدة دوليًا. هذا التراجع يتزامن مع تزايد الطلب المرتبط بالنمو الديمغرافي والتوسع الحضري وتطور الأنشطة الاقتصادية، ما يجعل أي تساقطات استثنائية غير كافية لتعويض عجز تراكمي ممتد لسنوات. الفيضانات، في هذا السياق، لا تمثل حلًا للأزمة، بل تكشف اختلال التوازن بين العرض والطلب وسوء استغلال الموارد المتاحة.

لقد اعتمد المغرب، على مدى عقود، سياسة طموحة لبناء السدود الكبرى، مكّنته من تعبئة موارد مائية مهمة ودعم التنمية الفلاحية وتوفير الماء الشروب. غير أن الفيضانات الأخيرة أظهرت أن هذا النموذج بلغ حدوده في ظل تقلب مناخي متزايد. فالسدود، مهما بلغ عددها، لا تستطيع لوحدها احتواء كل مياه السيول المفاجئة، كما أن جزءًا مهمًا من هذه المياه يُفرغ اضطراريًا لحماية المنشآت، ليضيع في البحر دون الاستفادة منه في تغذية الفرشات المائية أو دعم الاحتياطات الجوفية. اقتصاد الماء اليوم يفرض تنويع أدوات التخزين والانتقال إلى حلول مرنة ومكملة، مثل السدود التلية، وحصاد مياه الأمطار، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة.

من زاوية اقتصادية، تبرز الفيضانات كعامل كلفة مرتفعة على المالية العمومية. فالخسائر الناجمة عن تضرر الطرق والمنشآت العمومية، وانجراف الأراضي الفلاحية، وتعطّل الأنشطة الإنتاجية، غالبًا ما تتجاوز بكثير كلفة الاستثمارات الوقائية. تجارب دولية عديدة أثبتت أن كل وحدة نقدية تُستثمر في الوقاية من الفيضانات وتدبير الأحواض المائية بشكل مندمج توفر ما بين ثلاث إلى خمس وحدات من تكاليف إعادة الإعمار والتعويضات. في المغرب، ما تزال هذه المقاربة الوقائية ضعيفة الحضور في السياسات العمومية، رغم أن الفيضانات أصبحت حدثًا متكررًا لا استثناءً نادرًا.

كما تعيد هذه الظواهر الطبيعية تسليط الضوء على إشكالية استعمالات الماء، خصوصًا في القطاع الفلاحي الذي يستهلك ما بين 80 و85 في المائة من الموارد المائية المتاحة، دون أن يقابل ذلك دائمًا مردودية اقتصادية أو اجتماعية متناسبة. استمرار تشجيع محاصيل كثيفة الاستهلاك للماء في مناطق تعاني أصلًا من ندرة الموارد يطرح تساؤلات عميقة حول انسجام السياسات الفلاحية مع أهداف الأمن المائي. الفيضانات، بدل أن تُقرأ كحدث معزول، ينبغي أن تكون منطلقًا لإعادة تقييم النموذج الإنتاجي وربطه بمبدأ النجاعة المائية والقيمة المضافة.

تُظهر تجارب دول تواجه تحديات مشابهة، مثل إسبانيا أو أستراليا أو إسرائيل، أن الانتقال نحو اقتصاد ماء أكثر مرونة يمر عبر تنويع المصادر وإدارة الطلب بفعالية. فقد استثمرت هذه الدول في تحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة بنسبة مرتفعة، وتسعير المياه بما يعكس كلفتها الحقيقية وندرتها، إلى جانب اعتماد تخطيط ترابي يأخذ بعين الاعتبار مخاطر الفيضانات. هذه المقاربات لا تلغي المخاطر المناخية، لكنها تحد من آثارها الاقتصادية والاجتماعية، وتحوّل الماء من عنصر هشاشة إلى رافعة للاستقرار.

في المحصلة، لا تعني الفيضانات أن أزمة الماء في المغرب في طريقها إلى الحل، بل إنها تبرز بوضوح الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات اقتصاد الماء. التحدي الحقيقي لم يعد فقط في تعبئة الموارد، بل في كيفية تدبيرها بكفاءة وعدالة حين تتوفر، وحمايتها حين تغيب. وبين ندرة مزمنة وسيول متكررة، يصبح الانتقال نحو اقتصاد ماء ذكي، وقائي، ومندمج خيارًا استراتيجيًا لا يحتمل التأجيل، إذا أراد المغرب تأمين مستقبله المائي والاقتصادي في ظل عالم مناخي شديد التقلب.

دكتور في الاقتصاد وأستاذ زائر

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الجهادية في المغرب والجيل الجديد

30 مايو 2026 - 2:39 ص

شكلت ظاهرة السلفية الجهادية في المغرب موضوعا خصبا للبحث الأكاديمي، خاصة بعد أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء، والتي مثلت

 غويتيسُولو المُثقّف التنويريّ والمُفكّر والرّوائيّ الكونيّ

29 مايو 2026 - 11:56 م

 عرفتْ أعمال  الكاتب الإسباني- الكطلاني خوان غويتيسُولو الأدبية تطوّراً هائلاً في خضمّ الأزمنة والأمكنة التي عاش في كنَفها الكاتب بحُكم

من الثورة إلى الحرب: سوسيولوجيا فشل الانتقال الديمقراطي في السودان

29 مايو 2026 - 7:07 م

كثير من الحبر استخدم في الكتابة عن اسباب فشل الربيع العربي و التحول الديمقراطي و تم ارجاع المسألة لجشع الاسلاميين

النبرة الثورية بين سميح القاسم وفلاديمير ماياكوفسكي

29 مايو 2026 - 6:56 م

     حِين يتحوَّل الشعرُ مِن غِناءٍ ذاتي إلى صرخةِ تاريخٍ، ومِن تأمُّل فردي إلى موقف وجودي، يَظهر الشعراءُ الذينَ لا

حرب التزكيات بحزب الاستقلال بين طموحات الزعامات المحلية وتحكم القيادة المركزية

29 مايو 2026 - 6:52 م

تشهد كواليس حزب الاستقلال في المغرب صراعاً محتدماً حول “حرب التزكيات” مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية ل 23 شتبر 2026 ،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°