مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من منصة المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس في يناير 2026، عن إطلاق مبادرة “مجلس السلام”، تدخل إدارة النزاعات الدولية مرحلة جديدة تتجاوز الأطر التقليدية التي قادتها الأمم المتحدة لعقود.
اللافت للانتباه في هذه المبادرة، إلى جانب تركيزها المباشر على غزة والقضية الفلسطينية، هو الدور المتقدم الذي أُنيط بالمغرب، باعتباره أول دولة توقع رسميا على الميثاق التأسيسي للمجلس، وعضوا مؤسسا فيه.
يمثل “مجلس السلام” تعبيرا صريحا عن تحول في المقاربة الأمريكية لمفهوم السلام، والذي بات قائما على البراغماتية والانتقاء بدل الشمول، وعلى الفعالية الميدانية بدل الإجماع الأممي.
واشنطن، التي باتت ترى في المنظمات متعددة الأطراف مؤسسات مثقلة بالبيروقراطية والفيتوهات السياسية، اختارت إنشاء آلية موازية تجمع بين النفوذ السياسي، والقدرة المالية، والجاهزية التنفيذية، مع تركيز أولي على إدارة مرحلة ما بعد الحرب في غزة وإعادة الإعمار، أكثر من معالجة جذور الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
وفي هذا الإطار، لا يبدو المجلس مشروع سلام بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما هو أداة لإدارة الصراع ومنع انفجاره مجددا، فالأولويات المطروحة تتعلق بالاستقرار، وإعادة البناء، وضبط التوازنات، دون اقتراب حاسم من القضايا الجوهرية المرتبطة بالاحتلال، والحدود، والقدس، وحق العودة.
غير أن إشراك دول عربية وازنة يمنح المبادرة هامشا سياسيا أوسع، وقدرة، إن توفرت الإرادة، على تدرج مدروس نحو حلول أعمق.
وسط هذا المشهد، يبرز المغرب كحالة خاصة. فكونه أول الموقعين على ميثاق المجلس يمنحه موقع العضو المؤسس، بما يرافق ذلك من رمزية سياسية وقدرة على التأثير في توجهات المجلس منذ لحظته الأولى. ويستند الدور المغربي إلى عناصر قوة متعددة: رئاسة الملك محمد السادس للجنة القدس، وما تمنحه من شرعية دينية وأخلاقية، الرصيد الدبلوماسي المتراكم في الوساطات الهادئة والمتوازنة؛ ثم الموقع الجيوسياسي الذي يجعل من المملكة جسرًا بين إفريقيا والعالم العربي وأوروبا.
هذه المكانة تتيح للمغرب لعب دور يتجاوز البعد التقني لإدارة الأزمات، نحو وظيفة “الوسيط الأخلاقي” داخل مجلس السلام، بما يضمن عدم اختزال القضية الفلسطينية في بعدها الإنساني أو الأمني فقط، والدفع في اتجاه مقاربة تراعي الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، حتى ضمن سقف الواقعية السياسية التي تحكم المبادرة الأمريكية.
وهنا، تبرز أهمية الدور المغربي، ليس فقط كعضو مؤسس، بل كفاعل قادر على الموازنة بين الواقعية السياسية ومتطلبات العدالة التاريخية. فنجاح مجلس السلام، أو فشله، سيظل مرهونا بقدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة جذورها، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وهي معادلة يملك المغرب بحكم موقعه وخياراته قدرة حقيقية على التأثير فيها.






تعليقات الزوار ( 0 )