لم يكن لقائي بفضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب مجرّد مصافحةٍ في مجلسٍ رسمي، بل كان عبورًا هادئًا إلى معنى نادر؛ معنى أن يكون العالمُ حاملَ رسالةٍ لا أسيرَ منصب، وأن تكون القيادة الروحية فعلَ بصيرةٍ قبل أن تكون موقعًا. دخلتُ مشيخة الأزهر، فشعرتُ أن المكان يُربّي الداخلين إليه على التواضع قبل أن يُعرِّفهم بالعلم، وأن التاريخ هنا لا يتباهى بثقله، بل يُعلِّم الحاضر كيف يزن خطاه.
استقبل الإمامُ وفدًا رفيعًا من وزراء الأوقاف ومفتي الدول الإسلامية، ضيوف مؤتمرٍ يبحث أخلاقيات المهن ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي. غير أن ما شدّ الانتباه لم يكن كثافة العناوين ولا ثقل الأسماء، بل سكينة الحضور. كان الإمامُ يصغي بتمامه، كأن الإصغاء عنده عبادةٌ عقلية، فإذا تكلّم خرج الكلامُ محسوبًا بميزان الحكمة؛ لا إفراط يُغلق الآفاق، ولا تفريط يُبدِّد القيم.
تحدّث عن الذكاء الاصطناعي حديثَ من يعرف أن التقدّم بلا أخلاق طريقٌ مختصرٌ إلى العمى. لم يُخاصم التقنية، ولم يُقدِّسها؛ بل ردّها إلى أصلها الإنساني. شدّد على ضرورة إعداد كوادرَ شرعيةٍ قادرة على فهم لغة العصر، لا لتذويب النص في الخوارزمية، بل لحراسة المعنى داخلها. كان واضحًا أن همَّه ليس اللحاق بالسرعة، بل قيادة الاتجاه؛ فالأمم لا تُقاس بما تملك من أدوات، بل بما تضبط به استعمالها.
ثم انفتح الحديث على الأزهر بوصفه أكثر من مؤسسةٍ تعليمية؛ بوصفه ضميرًا اجتماعيًا. استعاد تجربة “بيت العائلة المصرية” لا بوصفها ذكرى نجاح، بل شاهدًا على أن الحكمة حين تتقدّم، تنطفئ الفتنة قبل أن تشتعل. هنا تتبدّى البصيرة العملية: فهمُ الواقع، ثم العمل على تغييره بأدوات الثقة والحوار، لا بالوعظ المجرد ولا بالسلطة الخشنة.
وفي الشأن الإقليمي، بدت دعوته إلى الحوار الإسلامي–الإسلامي امتدادًا طبيعيًا لمنهجه؛ جمعُ الصفّ ليس شعارًا، بل مسارٌ طويل يتطلّب صبر العلماء وجرأة الحكماء. أما دوليًا، فحديثه عن الأخوّة الإنسانية لم يكن استعراضًا لتجربةٍ ناجحة، بل تأكيدًا على أن السلام لا يولد من فراغ؛ إنما من شراكاتٍ صادقة تُراكم الثقة، وتُحوِّل الاختلاف من سببِ صدام إلى مجالِ تعارف.
ما يلفت في شخصية الإمام اعتدالُه العميق؛ اعتدالٌ لا يقف في منتصف الطريق هربًا من الصدام، بل يقف في موضع الحقّ بثبات. هو اعتدالُ من جرّب الغلوَّ في الفكر، ورأى التفريط في الواقع، فاختار ميزانًا يُنصف العقل والنصّ معًا. لذلك يحمل همَّ الأمة، وفي مقدّمته القضية الفلسطينية، بوعيٍ مسؤول يرفض المزايدة ويأبى الصمت، ويجعل من الكرامة الإنسانية معيارًا لا يخضع للمساومات.
في مجلسه، يذوب الفارق بين الرتب، وتعلو قيمة السؤال. رأيتُ وجوهًا جاءت من جغرافياتٍ شتّى، لكنها التقت على إدراكٍ واحد: أن الأزهر، بهذا النفس، ركيزةُ توازنٍ في عالمٍ مضطرب. لم تكن كلمات الشكر التي عبّر عنها الوفد مجاملةً دبلوماسية، بل اعترافًا بدورٍ عالميٍّ يواجه التطرّف بسلاح العلم، ويشيع الطمأنينة بخطابٍ مستنير.
ولعلّ أكثر ما يميّز الإمام تواضعُه الذي لا يتكلّف، وزهدُه الذي لا ينعزل. الزهد هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل تحرّرًا من غواية الأضواء؛ والتواضع ليس خفض جناحٍ شكليًا، بل وعيًا بأن العلم أمانة، وأن العالم خادمُ المعنى لا مالكُه. في حضرته، تشعر أن القيادة الروحية الحقّة هي التي تُخفِّف عن الناس ثقل الأسئلة، لا التي تُثقلهم بإجاباتٍ جاهزة.
خرجتُ من اللقاء وأنا على يقينٍ أن الأزهر، حين يقوده هذا النفس، يبقى بوصلةَ الاعتدال وحارسَ القيم في زمن التحوّلات. وأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ، سيظلّ محتاجًا إلى ضميرٍ يُهذِّبه. وأن الأمة، مهما اختلفت مساراتها، تحتاج إلى من يُصغي إلى الزمن دون أن يفقد جذوره. كان اللقاء درسًا بلا منصة، وحكمةً بلا صخب، وشهادةً بأن العلم إذا تقدّم بخشوعه، أصلح ما أفسدته العجلة.






تعليقات الزوار ( 0 )