أخبار ساعة

00:09 - المحكمة التجارية بالبيضاء تمدد نشاط “سامير” لأربعة أشهر إضافية23:44 - زلزال مالي يهز جامعة “الكيك بوكسينغ”.. “مجلس الحسابات” يطوق المستقيلين والتحقيقات تكشف “مؤامرة” لإحباط الافتحاص23:09 - حقوقيون يطالبون بافتحاص مالية الغرفة الفلاحية لجهة الرباط22:05 - بحارة الصويرة يطالبون الوكالة الوطنية للموانئ بالتدخل لرفع عرقلة “خافرة الإنقاذ” 22:04 - أمهات يصنعن أجمل صور العالم20:23 - الملك يعين عبد النباوي لولاية ثانية ويستقبل أعضاء المجلس الأعلى للسلطة القضائية20:15 - استقبال ملكي بالرباط للأعضاء الجدد المعينين بالمحكمة الدستورية19:53 - المعارضة تفند إشاعة التصويت ضد لجنة تقصي حقائق “أضاحي العيد” بمجلس المستشارين19:26 - الحكومة تواصل دعم مهنيي النقل الطرقي لمواجهة ارتفاع أسعار المحروقات19:14 - العصبة الاحترافية تقاضي السنغالي باسين تأديبيا
الرئيسية » مقالات الرأي » حين يتقدم العلم بخشوعه في حضرة الإمام الذي يُصغي إلى الزمن

حين يتقدم العلم بخشوعه في حضرة الإمام الذي يُصغي إلى الزمن

لم يكن لقائي بفضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب مجرّد مصافحةٍ في مجلسٍ رسمي، بل كان عبورًا هادئًا إلى معنى نادر؛ معنى أن يكون العالمُ حاملَ رسالةٍ لا أسيرَ منصب، وأن تكون القيادة الروحية فعلَ بصيرةٍ قبل أن تكون موقعًا. دخلتُ مشيخة الأزهر، فشعرتُ أن المكان يُربّي الداخلين إليه على التواضع قبل أن يُعرِّفهم بالعلم، وأن التاريخ هنا لا يتباهى بثقله، بل يُعلِّم الحاضر كيف يزن خطاه.

استقبل الإمامُ وفدًا رفيعًا من وزراء الأوقاف ومفتي الدول الإسلامية، ضيوف مؤتمرٍ يبحث أخلاقيات المهن ومستقبلها في عصر الذكاء الاصطناعي. غير أن ما شدّ الانتباه لم يكن كثافة العناوين ولا ثقل الأسماء، بل سكينة الحضور. كان الإمامُ يصغي بتمامه، كأن الإصغاء عنده عبادةٌ عقلية، فإذا تكلّم خرج الكلامُ محسوبًا بميزان الحكمة؛ لا إفراط يُغلق الآفاق، ولا تفريط يُبدِّد القيم.

تحدّث عن الذكاء الاصطناعي حديثَ من يعرف أن التقدّم بلا أخلاق طريقٌ مختصرٌ إلى العمى. لم يُخاصم التقنية، ولم يُقدِّسها؛ بل ردّها إلى أصلها الإنساني. شدّد على ضرورة إعداد كوادرَ شرعيةٍ قادرة على فهم لغة العصر، لا لتذويب النص في الخوارزمية، بل لحراسة المعنى داخلها. كان واضحًا أن همَّه ليس اللحاق بالسرعة، بل قيادة الاتجاه؛ فالأمم لا تُقاس بما تملك من أدوات، بل بما تضبط به استعمالها.

ثم انفتح الحديث على الأزهر بوصفه أكثر من مؤسسةٍ تعليمية؛ بوصفه ضميرًا اجتماعيًا. استعاد تجربة “بيت العائلة المصرية” لا بوصفها ذكرى نجاح، بل شاهدًا على أن الحكمة حين تتقدّم، تنطفئ الفتنة قبل أن تشتعل. هنا تتبدّى البصيرة العملية: فهمُ الواقع، ثم العمل على تغييره بأدوات الثقة والحوار، لا بالوعظ المجرد ولا بالسلطة الخشنة.

وفي الشأن الإقليمي، بدت دعوته إلى الحوار الإسلامي–الإسلامي امتدادًا طبيعيًا لمنهجه؛ جمعُ الصفّ ليس شعارًا، بل مسارٌ طويل يتطلّب صبر العلماء وجرأة الحكماء. أما دوليًا، فحديثه عن الأخوّة الإنسانية لم يكن استعراضًا لتجربةٍ ناجحة، بل تأكيدًا على أن السلام لا يولد من فراغ؛ إنما من شراكاتٍ صادقة تُراكم الثقة، وتُحوِّل الاختلاف من سببِ صدام إلى مجالِ تعارف.

ما يلفت في شخصية الإمام اعتدالُه العميق؛ اعتدالٌ لا يقف في منتصف الطريق هربًا من الصدام، بل يقف في موضع الحقّ بثبات. هو اعتدالُ من جرّب الغلوَّ في الفكر، ورأى التفريط في الواقع، فاختار ميزانًا يُنصف العقل والنصّ معًا. لذلك يحمل همَّ الأمة، وفي مقدّمته القضية الفلسطينية، بوعيٍ مسؤول يرفض المزايدة ويأبى الصمت، ويجعل من الكرامة الإنسانية معيارًا لا يخضع للمساومات.

في مجلسه، يذوب الفارق بين الرتب، وتعلو قيمة السؤال. رأيتُ وجوهًا جاءت من جغرافياتٍ شتّى، لكنها التقت على إدراكٍ واحد: أن الأزهر، بهذا النفس، ركيزةُ توازنٍ في عالمٍ مضطرب. لم تكن كلمات الشكر التي عبّر عنها الوفد مجاملةً دبلوماسية، بل اعترافًا بدورٍ عالميٍّ يواجه التطرّف بسلاح العلم، ويشيع الطمأنينة بخطابٍ مستنير.

ولعلّ أكثر ما يميّز الإمام تواضعُه الذي لا يتكلّف، وزهدُه الذي لا ينعزل. الزهد هنا ليس انسحابًا من الشأن العام، بل تحرّرًا من غواية الأضواء؛ والتواضع ليس خفض جناحٍ شكليًا، بل وعيًا بأن العلم أمانة، وأن العالم خادمُ المعنى لا مالكُه. في حضرته، تشعر أن القيادة الروحية الحقّة هي التي تُخفِّف عن الناس ثقل الأسئلة، لا التي تُثقلهم بإجاباتٍ جاهزة.

خرجتُ من اللقاء وأنا على يقينٍ أن الأزهر، حين يقوده هذا النفس، يبقى بوصلةَ الاعتدال وحارسَ القيم في زمن التحوّلات. وأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ، سيظلّ محتاجًا إلى ضميرٍ يُهذِّبه. وأن الأمة، مهما اختلفت مساراتها، تحتاج إلى من يُصغي إلى الزمن دون أن يفقد جذوره. كان اللقاء درسًا بلا منصة، وحكمةً بلا صخب، وشهادةً بأن العلم إذا تقدّم بخشوعه، أصلح ما أفسدته العجلة.

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

أمهات يصنعن أجمل صور العالم

4 يونيو 2026 - 10:04 م

منذ شهر شتنبر، وإلى غاية شهر يونيو، ظل مشهد صغير يوقفني في شارع أعبره كل يوم تقريبا وأنا أتوجه إلى

الكهنة الجدد والحنين المفضوح لزمن الاستعمار والحماية الجديدة

4 يونيو 2026 - 6:04 م

لقد ابتلينا في السنوات الأخيرة بنقاش عمومي  واستقطاب حاد، بين طرفين يراد لنا أن نتصورهم كنقيضين، الخونة والوطنيين، يوصف المدافعون

سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية وأثره في تكريس الأمن العقاري

4 يونيو 2026 - 2:24 م

شكل دخول سجل الوكالات الرسمية المتعلقة بالحقوق العينية حيز التنفيذ ابتداء من فاتح يونيو 2026 إحدى أبرز المحطات التشريعية والتنظيمية

حزب العدالة والتنمية بين مسطرة التزكيات والحسم المبكر في الترشيحات

4 يونيو 2026 - 1:59 م

شهد حزب العدالة والتنمية، مثل باقي الأحزاب المغربية الكبرى، تنافساً واضحاً حول تزكية مرشحي ومرشحات الحزب استعداداً للانتخابات التشريعية ل

المغرب والإمارات: تحالف الدولة الهادئة في زمن الفوضى العربية

3 يونيو 2026 - 7:39 م

لم يكن اللقاء الذي جمع جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، بأخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان،

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°