مع حلول فصل الشتاء من كل عام، تتحول سماء المغرب ومناطقه الرطبة إلى فضاء حيوي يعج بآلاف الطيور المهاجرة القادمة من أوروبا، في مشهد طبيعي يتكرر بانتظام لكنه يكتسب دلالات جديدة في ظل التحولات المناخية المتسارعة.
ومع اشتداد البرودة وتساقط الثلوج في شمال القارة الأوروبية، تجد هذه الطيور في المغرب وجهة آمنة توفر الدفء والغذاء وشروط الاستقرار.
ويؤكد سعيد حاجي، رئيس وحدة الحياة البرية بالمديرية الجهوية للوكالة الوطنية للمياه والغابات بجهة فاس–مكناس، أن الانخفاض الحاد في درجات الحرارة بأوروبا يشكل العامل الرئيسي الذي يدفع أعدادًا كبيرة من الطيور، خاصة الأنواع الكبيرة، إلى الهجرة جنوبًا.
ومن بين أبرز هذه الأنواع اللقلق الأبيض، والفلامينغو الوردي، ومالك الحزين الرمادي والأبيض، إلى جانب بعض الجوارح وأنواع مختلفة من البط وطيور مائية أخرى.
ويبرز المغرب، وفق الخبراء، كحلقة وصل طبيعية بين أوروبا وإفريقيا، ما يجعله أحد أهم الممرات العالمية لهجرة الطيور. فموقعه الجغرافي الاستراتيجي، الممتد بين واجهتين بحريتين ومتنوع في أنظمته البيئية، يوفر للطيور المهاجرة محطات توقف غنية بالموارد الطبيعية، سواء للاستراحة المؤقتة أو للاستقرار طوال موسم الشتاء.
غير أن المستجد اللافت، بحسب المتخصصين، يتمثل في تغير أنماط الهجرة التقليدية بفعل التقلبات المناخية. فقد باتت بعض الأنواع لا تكتفي بعبور التراب المغربي في طريقها نحو إفريقيا جنوب الصحراء، بل أصبحت تستقر فيه بشكل دائم.
ويظهر هذا التحول بشكل خاص لدى الطيور المائية، مثل بعض أنواع البط واللقالق ومالك الحزين، التي تُرصد اليوم بأعداد كبيرة في مناطق متعددة من البلاد.
ويرى متابعون للشأن البيئي أن هذا الاستقرار المتزايد يعكس قدرة النظم البيئية المغربية على استيعاب التنوع الحيوي، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات جديدة تتعلق بحماية المواطن الطبيعية وضمان التوازن البيئي.
كما يعزز هذا المعطى أهمية المغرب كفاعل أساسي في الحفاظ على التنوع البيولوجي على المستوى الإقليمي، في سياق عالمي يشهد اضطرابًا متزايدًا في النظم المناخية والبيئية.
واستنادا إلى المصادر ذاتها، فإن المغرب يظل نقطة التقاء بين قارتين، ومجالًا مفتوحًا لفهم أعمق لتأثير المناخ والجغرافيا في سلوك الكائنات الحية، وفي التحولات الصامتة التي تشهدها الطبيعة عامًا بعد عام.



تعليقات الزوار ( 0 )