تتكدس مئات النساء يوميا في زوايا محددة بشوارع المدن المغربية منذ ساعات الفجر الأولى بحثا عن فرص عمل مياوم داخل قطاع غير مهيكل يمتص طاقتهن الجسدية دون أدنى اعتراف تشريعي بحقوقهن العمالية.
وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة حديثا عن المندوبية السامية للتخطيط حقيقة هذا الوضع السوسيو-اقتصادي، حيث تتجاوز نسبة النساء المشتغلات في القطاع غير المنظم عتبة 70 بالمائة من إجمالي الإناث النشيطات بالوسط الحضري.
وفي هذا السياق، تعكس هذه الإحصائيات الدقيقة حجم الإقصاء الممنهج لهذه الفئة الواسعة من شبكات الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية التي تروج لها الخطابات الرسمية الموجهة للرأي العام.
وتشير تقارير المندوبية ذاتها إلى تمركز أزيد من 19 بالمائة من الأسر المغربية تحت إعالة نساء بمفردهن، أغلبهن يعانين من تفشي الأمية وغياب تام للتكوين المهني المؤهل لولوج سوق الشغل.
وأمام هذا الواقع المعقد، تجد هؤلاء العاملات أنفسهن مجبرات بقوة الحاجة على قبول شروط عمل مجحفة بأجور زهيدة لا تتعدى 70 درهما لليوم الواحد في أحسن الأحوال مقابل مجهود بدني مضاعف.
ويقابل هذا الأجر المتدني ساعات طوال من العمل الشاق في جني المحاصيل الزراعية أو التنظيف المنزلي المنهك، مما يكرس استمرارية دورة الفقر ويزيد من هشاشة وضعيتهن المعيشية والصحية.
بالموازاة مع ذلك، يفرز غياب التأطير القانوني لأسواق العمل العشوائية، أو ما يصطلح عليه محليا ب”الموقف”، تعرض هؤلاء المياومات لشتى أصناف الاستغلال المادي والابتزاز من طرف الوسطاء وأرباب العمل.
وتضطر العاملة لمواجهة تحرشات لفظية وجسدية يومية كضريبة إجبارية لضمان فرصة عمل عابرة، في ظل غياب جهة رقابية تحمي كرامتها وتطبق مقتضيات القانون الجنائي بصرامة.
ولا تقف التجاوزات عند هذا الحد، بل يتطور العنف الممارس ضدهن ليأخذ أبعادا مدمرة، حيث يتم استغلال حاجتهن الماسة للمال لفرض مهام شاقة تتجاوز قدراتهن البدنية بشكل مرهق.
ويترافق هذا الاستغلال مع الحرمان التام من فترات الراحة أو التعويض المادي عن حوادث الشغل المتكررة التي يتعرضن لها أثناء التنقل في عربات النقل السري أو خلال مزاولة أعمالهن.
ومن أجل ملامسة هذا الواقع عن قرب، وثقت جريدة الشعاع خلال جولة ميدانية شملت أبرز نقاط تجمع عاملات الموقف بمدينة القنيطرة، وتحديدا ساحات حي الساكنية وأطراف منطقة الخبازات، تفاصيل قاسية لواقع نساء يتحملن مسؤولية الإعالة الشاملة.
وتتقاسم مجموعات تتكون من 4 إلى 5 عاملات غرفا سكنية ضيقة تفتقر لأبسط شروط التهوية والصرف الصحي بأحياء هامشية لتخفيف أعباء السومة الكرائية.
وفي سياق متصل، عاينت جريدة “الشعاع” حالة ميدانية لمطلقة تعيل 3 أطفال تخلى عنهم والدهم وامتنع عن أداء النفقة، مما دفعها لولوج سوق الشغل العشوائي كمياومة تتنقل بين المقاهي والبيوت. وتعرضت المعنية بالأمر لحادث إثر سقوطها من درج أثناء تنظيف أحد المنازل، لتصاب بكسور وإصابات حادة ألزمتها الفراش بشكل كلي ومنعتها من مواصلة العمل لتوفير القوت اليومي.
ونتيجة لهذا الحادث المباغت، عجزت الضحية عن توفير تكاليف الفحص الطبي أو اقتناء الأدوية المسكنة للألم بسبب غياب التغطية الصحية وانعدام المدخرات المالية. ولجأت هذه الأم مكرهة ومغلوبة على أمرها إلى الاتصال هاتفيا بمعارفها لطلب تمكينها من أموال زكاة الفطر لسد رمق أبنائها وشراء الحد الأدنى من الأدوية الضرورية لتخفيف معاناتها الجسدية.
وعلى نطاق أوسع، تتحمل هؤلاء النسوة بمفردهن مصاريف إعالة أزواج وإخوة ذكور عاطلين عن العمل كليا، إلى جانب التكفل بمصاريف الترويض الطبي وشراء الأدوية باهظة الثمن لأطفال من ذوي الإعاقة. ويضاعف هذا الوضع من حجم الضغط المادي الملقى على عواتقهن، ويحرمهن من أي فرصة لتسوية وضعيتهن بعيدا عن أرصفة الانتظار ومذلة الحاجة اليومية لتدبير المصاريف.
وتتفاقم معاناة هذه الفئة الهشة بشكل ملموس مع اقتراب المناسبات الدينية، حيث يفرض السعي لتأمين متطلبات العيد على عاملات الموقف سلوك مسارات بديلة لتعويض ركود فرص الشغل اليدوي. وتضطر المعنيات بالأمر إلى ترصد أموال الزكاة عبر المرابطة لساعات طوال تحت أشعة الشمس أمام بوابات المساجد الكبرى ومراكز التسوق لتأمين بعض المداخيل.
وأمام غياب البدائل، تلجأ العديد منهن مكرهات إلى اعتراض سبيل المارة وأصحاب السيارات في التقاطعات الطرقية ومواقف السيارات العمومية طلبا لدراهم معدودة تسد رمق أطفالهن. ويعكس هذا التحول القسري من البحث عن العمل إلى طلب المساعدة المالية المباشرة مدى عمق الأزمة الهيكلية التي تضرب قدرتهن الشرائية في ظل التهاب أسعار المواد الاستهلاكية.
غير أن هذا الواقع الميداني يصطدم بغياب تام لأي التفاتة مؤسساتية فعلية تنتشل هؤلاء النساء من براثن الشارع وتدمجهن في دورة اقتصادية مهيكلة تضمن حقوقهن. وتظل الخطابات السياسية المتعلقة بالتمكين الاقتصادي للمرأة وتحسين وضعيتها مجرد وعود انتخابية تتكرر في الملتقيات الرسمية دون أي أثر ملموس يغير من يوميات عاملات الموقف.
ويتزامن هذا الشلل الحكومي مع ضعف واضح في القدرات التمويلية والتأطيرية لجمعيات المجتمع المدني المتخصصة في قضايا المرأة، والتي تكتفي بتوزيع مساعدات غذائية ظرفية. وتعجز هذه التنظيمات المدنية عن صياغة بدائل تنموية مستدامة توفر فرص شغل قارة ومحمية بقوة قانون الشغل، لتترك نساء الموقف يواجهن مصيرهن المجهول بشكل فردي.
وتفرز هذه المعطيات المتراكمة استمرار تكدس الإناث في الساحات العامة بحثا عن دراهم معدودة، كدليل مادي قاطع على فشل سياسات الرعاية الاجتماعية وتخلف آليات التضامن الوطني عن استهداف الفئات الأكثر تضررا. ويفرض الواقع المعيش تسريع تنزيل مقتضيات الدعم المباشر لتشمل هذه الفئة بدقة، وتفعيل رقابة صارمة لتفكيك شبكات الاستغلال التي تتاجر بجهد هؤلاء النساء بعيدا عن أعين الرقابة الإدارية وقوة القانون.




تعليقات الزوار ( 0 )