على هامش رحيل الفيلسوف والمفكر الفرنسي إدغار موران، أعاد الدكتور محمد أبلاغ، أستاذ الفلسفة بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، طرح تساؤلات نقدية حول الموقف الأخلاقي والفلسفي لبعض المثقفين الأوروبيين من الحرب على غزة، معتبرا أن النقاش لا يتعلق فقط بالمواقف السياسية، بل بمنظومة فكرية كاملة تحتاج إلى مراجعة عميقة.
وقال أبلاغ، في تدوينة على حسابه في الفيسبوك، إن موقفه من موران سبق أن عبّر عنه في تدوينة نشرها بتاريخ 9 نونبر 2023، انتقد فيها تصريح الفيلسوف الفرنسي الصادر في 8 نونبر من السنة نفسها، والذي أعلن فيه أنه لا يملك موقفا واضحا مما يجري في فلسطين. واعتبر أن هذا التريث يعكس، لدى موران وغيره من المثقفين الأوروبيين، نوعا من الانتظار إلى حين اتضاح حجم الكارثة الإنسانية وعدد الضحايا قبل إعلان موقف أخلاقي أو إنساني واضح.
وأوضح أبلاغ أن ما يثير انتباهه ليس فقط طبيعة الموقف، وإنما اللغة المستعملة في التعبير عنه، مشيرا إلى أن عددا من المثقفين الأوروبيين يفضلون استعمال مفهوم “التعاطف” بدل “التبني”. وأضاف أن التعاطف، في نظره، يحيل إلى علاقة غير متكافئة بين قوي وضعيف، حيث يمنح الأول دعمه للثاني من موقع التفوق الأخلاقي أو الحضاري، بينما يفترض التبني انخراطا كاملا في الدفاع عن القضايا الإنسانية باعتبارها قضايا مشتركة تتجاوز الحدود والهويات والانتماءات.
وأكد أستاذ الفلسفة أن المواقف الأخلاقية الحقيقية لا ينبغي أن تنتظر تفاقم المآسي أو تضاعف أعداد الضحايا حتى تتحرك، بل يفترض أن تنطلق من مبادئ إنسانية ثابتة ترفض الظلم والعنف أيا كان مصدرهما.
وفي سياق مقارنته بين التراث الفكري الإسلامي والفكر الأوروبي الحديث، اعتبر أبلاغ أن بعض التصورات التي قدمها مفكرون مسلمون من قبيل ابن خلدون وابن القاضي حول الاختلافات الثقافية بين الشعوب، رغم ما قد تتضمنه من أحكام مرتبطة بسياقاتها التاريخية، كانت أقل حدة من التصورات التي حملها بعض فلاسفة الأنوار الأوروبيين تجاه الشعوب الإفريقية.
وأوضح أن ابن خلدون وغيره ربطوا بعض الفوارق الحضارية بعوامل طبيعية ومناخية، في حين أن عددا من فلاسفة الأنوار، ومن بينهم فولتير وكانط، ذهبوا إلى تصورات هرمية للإنسانية اعتبرت بعض الشعوب أقرب إلى مرتبة دنيا في سلم الحضارة والإنسانية، وهي مواقف أصبحت اليوم موضوع نقد واسع داخل الفكر الغربي نفسه.
وشدد أبلاغ على أن العالم المعاصر يحتاج إلى تجديد فكري وأخلاقي عميق يضع الإنسان في مركز الاهتمام، بعيدا عن الحسابات السياسية أو الاصطفافات الثقافية، مؤكدا أن الدفاع عن الإنسان وعن الأرض يجب أن يكون تبنيا كاملا للقضايا العادلة لا مجرد تعاطف ظرفي تفرضه هول الكوارث.
وختم أبلاغ تدوينته بالقول: إن وحدة الأرض تقتضي وحدة المصير، وإن القضايا الإنسانية الكبرى لا يمكن التعامل معها بمنطق الشفقة أو التعاطف الانتقائي، بل بمنطق المسؤولية المشتركة تجاه الإنسان أينما كان.




تعليقات الزوار ( 0 )