تشهد دول المغرب الكبير تحولات ديموغرافية عميقة تعكس تغيرات متسارعة في البنية الاجتماعية والاقتصادية، مع استمرار انخفاض معدلات الخصوبة في كل من المغرب وتونس والجزائر، وإن بوتيرة متفاوتة بين هذه البلدان الثلاثة.
وبحسب معطيات حديثة، أصبحت تونس الأكثر تقدماً في مسار الانتقال الديموغرافي داخل المنطقة، بعدما سجل معدل الخصوبة فيها 1.6 طفل لكل امرأة خلال عام 2023، مقابل 2.4 طفل عام 2015. وتشير التقديرات إلى إمكانية تراجع هذا المعدل إلى نحو 1.53 طفل لكل امرأة، ما يعكس تحولاً كبيراً مقارنة بالعقود الماضية التي كانت تتميز بارتفاع معدلات الإنجاب.
ويربط الخبراء هذا التراجع بعدة عوامل، من بينها ارتفاع سن الزواج، واستمرار الدراسة لفترات أطول، وتحديات الاندماج في سوق العمل، فضلاً عن الظروف الاقتصادية التي تواجهها الأسر الشابة، خاصة بين النساء الحاصلات على شهادات جامعية.
أما في المغرب، فقد أظهرت نتائج الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2024 أن معدل الخصوبة بلغ 1.97 طفل لكل امرأة، وهو مستوى يقل عن عتبة تجدد الأجيال المحددة عادة عند 2.1 طفل لكل امرأة. ويعد هذا التطور محطة مهمة في المسار الديموغرافي للمملكة، التي سجلت خلال العقود الأخيرة انخفاضاً متواصلاً في معدلات الإنجاب.
ويتميز النموذج المغربي بخصوصية لافتة، إذ لا يرتبط تراجع الخصوبة أساساً بارتفاع سن الزواج لدى النساء، بل بعوامل أخرى من بينها الانتشار الواسع لوسائل تنظيم الأسرة. كما لعبت الظروف الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب دوراً مهماً في تأجيل قرار الإنجاب لدى العديد من الأسر، نتيجة غياب الاستقرار المالي وتراجع فرص العمل.
وفي المقابل، تظل الجزائر صاحبة أعلى معدل خصوبة بين دول المغرب الكبير، حيث بلغ 2.72 طفل لكل امرأة خلال عام 2024، مقارنة بـ2.77 في عام 2023 و2.94 في عام 2020. ورغم استمرار المعدل فوق عتبة تجدد الأجيال، فإن الاتجاه العام يشير إلى انخفاض تدريجي خلال السنوات الأخيرة.
ويعزى هذا الوضع في الجزائر إلى الدينامية السكانية التي عرفتها البلاد خلال العقدين الماضيين، مدفوعة بتحسن نسبي في فرص العمل والسكن، ما ساهم في الحفاظ على معدلات زواج وإنجاب أعلى مقارنة بجيرانها. غير أن المؤشرات الحديثة تؤكد دخول الجزائر بدورها في مسار تراجع الخصوبة، وإن بوتيرة أبطأ.




تعليقات الزوار ( 0 )