ودعت فرنسا والعالم معها كبير الفلاسفة المعاصرين Edgar Morin. ابن باريس(1921-2026). فيلسوف، وعالم اجتماع، وأديب. ما زلت مولعا بقراءة كتبه منذ ما يزيد على عشرين سنة. تأثرت به في أطروحتي للدكتوراه حول (تكامل العلوم)،2004. أخرت مناقشة أطروحتي يومذاك بسبب من اكتشاف متنه النظري في الدراسات البينية، فاضطررت لإحداث تعديلات جزئية لأتخذ متنه إطارا نظريا إضافيا لأطروحتي حول(التكامل المعرفي)، وبعده (الدراسات البينية). اكتشفت مفهومه التفسيري المركزي (الفكر المركب)؛ هذا المفهوم النظري والإجرائي في الوقت نفسه أبرز من خلاله محدودية مقاربة الظواهر الإنسانية والاجتماعية والطبيعية، ومحدودية فهمها، من خلال (تخصصات) منعزلة، أو منظورات تفسيرية اختزالية. من هنا دعا إلى الربط بين المعارف، ودراسة الظواهر في سياقاتها الكلية، والقبول ب (التعقيد) و(التناقض) و(اللايقين) في هذه الظواهر. كما دعا بإلحاح، ومن خلال استدلال فلسفي وسوسيولوجي إلى تجاوز الحدود الصارمة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.
تعرفت على تراث إدغار موران الفكري والفلسفي في بداية الألفية الثالثة في خضم إنجاز أطروحتي للدكتوراه، فاكتشفت مفكرا بهوى يساري لكن غير دوغمائي، وبعمق فلسفي وبخلفية نقدية، يكاد يمثل نشازا في الفكر الفرنسي الذي يرد إلينا في المغرب. ولم يكن مرحبا به في بداياته في السياق الفرنسي نفسه، لجرأته، ولنقده، ولـإتقانه عمليات هدم الكثير من أصنام الفكر الفرنسي في الفلسفة وفي السوسيولوجيا وفي الأدب والجماليات وفي نظرية المعرفة. لذلك أيضا لم يكن معروفا في سياقنا المغربي قبل الألفية الثالثة، إلا من ترجمات محدودة لبعض كتبه أنجزها مترجمون مغاربة مميزون، مع غلبة محور علوم التربية والتعليم على الكتب المترجمة.
والتقيت بإدغار موران في مؤتمر علمي نظمته وزارة الداخلية المغربية في إحدى ملتقيات (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) منذ حوالي خمسة عشرة سنة، وسعدت يومها بمرافقته طيلة الملتقى. وألقى محاضرة مدهشة وعميقة جمع فيها بين الطرح الفلسفي والسوسيولوجي العميق، وبين الخبرة الميدانية والمعرفة الكبيرة ببردايمات التنمية الاجتماعية، وبين الخلفية المعرفية للسياسات العمومية في مجالات التنمية البشرية والاجتماعية في الدول النامية. كما أظهر إلماما كبيرا بسياقات السياسات العمومية المغربية، وببعض أعطاب مشروع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وهو الذي سكن المغرب وسكنه المغرب واستقر فيه. وشاركت معه في المعرض الافتراضي للكتاب الذي نظمته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب (أبريل 2021). وقدمت مداخلة بعنوان: في الحاجة إلى إدغار موران لإغناء الباراديم البحثي الجامعي.
كما قدمت مداخلة في مؤتمر علمي بتونس منذ خمس سنوات من تنظيم جمعية البحوث والدراسات ومؤسسة Hanns Seidel في ذكرى تأبين عالم الاجتماع التونسي المنصف وناس، وهو الذي ترجم كتاب إدغار موران LA TETE BIEN FAITE، بعنوان: العقل المحكم: إعادة التفكير في الإصلاح وإصلاح التفكير. وكان عنوان مداخلتي: إدغار موران من منظور الأستاذ المنصف وناس.
أغنى مفهوم(التركيب) الذي ابتكره إدغار موران الدراسات الثقافية والسوسيولوجيا والدراسات البيئية والقانون والأدب ونظريات المعرفة… كما كان الإضافة الفرنسية الفلسفية في إغناء الدراسات الثقافية في أوروبا التي هيمن عليها منذ بداية عشرينيات القرن العشرين النموذج اليساري الألماني (مدرسة فرانكفورت) والنموذج اليساري البريطاني (مدرسة برمنغهام). وكان إدغار موران الصوت الفرنسي (النشاز) و(الوحيد) الذي نافس النموذجين في التنظير والتطبيق. لذا كان سباقا في السياق الفرنكفوني إلى دراسة الثقافة الجماهيرية في كتابه L’Esprit du temps. كما كان سباقا إلى تحليل وسائل الإعلام والثقافة الشعبية، ونقد استثمار الثقافة الجماهيرية والفنون الجماهيرية من أجل الهيمنة والتحكم في الناس.
وألهمت أفكاره عددا ليس بالكثير من الباحثين المغاربة والعرب، وأدعي أنني واحد منهم، في نقد النماذج الاختزالية والوضعية في المعرفة، والدفاع عن راهنية الدراسات البينية في البحث الجامعي، وفي دراسة الهوية والثقافة والموسيقى والاحتجاج الاجتماعي والذاكرة الشعبية، وفي تحليل الخطاب… وكذا في مقاربة بعض قضايا التربية والتعليم، وهو المجال الذي يحضر فيه إدغار موران في المغرب بشكل كبير. فإدغار موران يوفر للباحثين في الدراسات البينية وفي الدراسات الثقافية، وكذا في الدراسات التربوية، جذرا إبستمولوجيا صلبا ومتماسكا، تمتد روافده في الفلسفة والأدب والسوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والتاريخ ونظرية المعرفة؛ والمعرفة عند موران ليست مرآة للعالم بل ترجمة وبناء له، أي أن المعرفة تركيب.
ميزة إدغار موران أنه ذو طبيعة موسوعية مذهلة؛ يتنقل بين حقول معرفية متعددة، بسلاسة لغوية ورشاقة معرفية ومنهجية. يجمع في كتابته بين العمق الأكاديمي، والإبداع الفلسفي، والتفكير الكلي، والإلمام بالتفاصيل والجزئيات اليومية. كتب في نظرية المعرفة، وفي الميثودولوجيا، وفي المفاهيم، وفي السوسيولوجيا، وفي السينما، وفي الدراسات الثقافية، وفي الجمال، وفي السياسة… عرف بخلفيته النقدية للنزعات الكولونيالية، ونقد ما بعد الحداثة؛ وهو ماتجسده كتبه: إلى أين يسير العالم؟ و: عنف العالم ( بالاشتراك)، و: ثقافة أوروبا وبربريتها، و: هل نسير إلى الهاوية؟ وكتاب: المنهج: إنسانية البشرية، الهوية البشرية. وكتب في السينما، كتاب: نجوم السينما، وكتاب: السينما أو الرجل الخيالي. وكتب في الجمال، كتاب: عن الجمال. وكتب في التنظيم العقلي كتابي: La Tête bien Faite، Repenser La réforme, Réformer La penseé، و: Science avec Conscience. واشتهر بموسوعته الإبستمولوجية: المنهج، في أربعة مجلدات. كما اشتهر بأطروحة: الفكر المركب، كما سبقت الإشارة، ومفهوم التعقيد؛ يشرح هذه الأطروحة في كتابه: الفكر والمستقبل، مدخل إلى الفكر المركب، وكتاب: Relier Les Connaissances. وهما لب نظريته في تكامل العلوم وتداخل الاختصاصات. كما عرف بالتأليف في مجال التربية والتعليم، واشتهر في هذا الحقل بأطروحته حول المعارف/ أو العادات السبع الضرورية لتربية المستقبل، في كتابه: تربية المستقبل. حدد هذه المعارف/العادات في سبعة؛ هي:
1- أنواع العمى المعرفي، بين الخطأ والوهم. ويندرج تحت هذه العادة: ضعف المعرفة، ويشمل: الأخطاء الذهنية، والأخطاء المعرفية، وأخطاء العقل، والضلالات المنظوماتية. كما يندرج تحت العادة الأولى عناصر: الاستطباع. والضبط، وعلم النظريات المفتوحة أو الاستحواذ، واللامتوقع، ولايقين المعرفة.
2- مبادئ من أجل معرفة ملائمة؛ ملاءمة في السياق، وفي العلاقات بين الكل والأجزاء، وفي متعدد الأبعاد، وفي المركب. كما تتجسد الملاءمة في المهارة العامة، وهي القدرة على التعامل مع التناقض. وفي تحديد المشاكل الجوهرية؛ ويحددها موران في: الفصل والتخصص المغلق، وفي الاختزال والفصل، وفي العقلانية الخاطئة.
3- تعليم الشرط الإنساني؛ وهو شرط كوني، وفيزيائي، وأرضي، وإنساني. وتحقيق إنسانية الإنسان، من خلال ثلاث حلقات؛ حلقة الدماغ/ الفكر/الثقافة، وحلقة: العقل/الوجدان/الغريزة، وحلقة: الفرد/المجتمع/النوع. وتحقيق الوحدة المتعددة، في المجال الفردي، والاجتماعي، والثقافي. واستثمار معطيات الإنسان المركب. وتتجسد تركيبة الإنسان في طفوليته، وعصابيته، وهذيانيته، وعقلانيته؛ فالإنسان المركب عاقل وأخرق وقادر ورزين ومتهور!!!
4- تعليم الهوية الأرضية، وفيها تحدث موران عن وصية القرن العشرين( كتب الكتاب في تسعينيات القرن الماضي)، وعن إرث التقدم والوحشية، وإرث الموت، والمخاطر الجديدة، وموت الحداثة، والأمل، ودور التيارات المضادة، واللعبة المتناقضة للممكنات.
5- مواجهة اللايقينيات؛ لا يقينيات التاريخ، ولايقينيات المعرفة، ولايقينيات الواقع. وحدد موران لمواجهة اللايقينيات أيكولوجيا الفعل، في ثلاث حلقات؛ هي: حلقة المخاطرة/الحيطة، وحلقة الغايات/الوسائل، وحلقة الفصل/ السياق.
6- تعليم الفهم، من خلال تحديد أنواع الفهم، ونقد عوائق الفهم، ونقد نزعة التمركز حول الذات، وحول العرق، وحول المجتمع، ونقد الفكر الاختزالي. وتحديد أخلاق الفهم المرتبطة بالتفكير الجيد، وبالاستبطان، وبالوعي بالطابع المركب للإنسان، والانفتاح الذاتي على الغير، واستدخال التسامح، وربط أخلاق الفهم بأخلاق الثقافة.
7- تعليم أخلاق الجنس البشري؛ من خلال : تعليم الديموقراطية، وربطها بالبعد المركب للإنسان، وبالحوارية، وتعليم المواطنة، وتعليم الإنسانية.
يقدم إدغار موران أطروحة معرفية في التربية والتكوين، وفي العلاقات بين العلوم، وفي صناعة الجيل المبدع، وفي تخصيب الجامعة بالفكر النقدي، وبالتركيب، وبتداخل الاختصاصات، وهو ما تحتاجه جامعتنا اليوم.
ويمكن الوقوف أيضا على أفكاره الفلسفية المركزة حول الدراسات البينية وحول بارادايم (التركيب)، في الفصل الثامن من الجزء الثالث من موسوعة (المنهج)، بعنوان: معرفة المعرفة: أنثروبولوجية المعرفة، الفصل الثامن بعنوان: الفكر المزدوج( ميتوس لوغوس)، فقرة: التكامل الفعلي، ص259 وما بعدها ( ترجمة جمال شحيد 2012). وفي كتاب: LA TETE BIEN FAITE، في الملحق الثاني بعنوان: Inter-poly-trans-disciplinarité، ص127-136(Seuil/ 1999).
بوفاة إدغار موران يفقد العالم صوتا فلسفيا فرنسيا مابعد كولونيالي، وما عرف على المفكرين الفرنسيين حماس لما بعد الكولونيالية، إلا قليل. مازال متنه الشاسع يحتاج إلى القراءة والترجمة والاستثمار في حياتنا البحثية الجامعية.
كلية الآداب والعلوم الإنسانية/ جامعة ابن زهر/ أكادير/المغرب



تعليقات الزوار ( 0 )