قال تقرير لـ“مبادرة الإصلاح العربي”، إن الجزائر تواجه تحديات متزايدة في مجال الموارد المائية، حيث تصنف ضمن أكثر الدول معاناة من الإجهاد المائي على المستوى العالمي، في ظل تداخل عوامل طبيعية وتاريخية وديمغرافية تؤثر بشكل مباشر على وفرة المياه وتوزيعها.
وتغطي المناطق الصحراوية وشبه الجافة أكثر من 80 في المائة من مساحة البلاد، في وقت يتركز فيه نحو 90 في المائة من السكان في الشريط الشمالي، ما يفرض ضغطا كبيرا على الموارد المتاحة.
وتعتمد الجزائر، بحسب التقرير، على مصادر متعددة للمياه، تشمل الأنهار والسدود والمياه الجوفية، غير أن توزيعها غير متوازن بين المناطق.
ويرتبط واقع المياه في الجزائر بشكل وثيق بإرث الحقبة الاستعمارية، حيث تم خلال فترة الاحتلال الفرنسي توجيه البنيات التحتية المائية لخدمة المستوطنين والأنشطة الزراعية المرتبطة بهم، على حساب السكان المحليين.
ولا تزال آثار تلك السياسات حاضرة، سواء على المستوى البيئي أو الاجتماعي، ما يزيد من تعقيد تدبير هذا المورد الحيوي.
وتتفاقم هذه الإكراهات بفعل عوامل حديثة، من بينها التغيرات المناخية والنمو السكاني والتلوث الناتج عن الأنشطة الصناعية والزراعية والمنزلية، ما يضع منظومة المياه أمام تحديات مركبة تتطلب استجابات شاملة.
من الناحية القانونية، يرتكز تدبير المياه في الجزائر على دستور 2020 وقانون المياه الصادر سنة 2005، حيث ينص الإطار القانوني على اعتبار الماء ملكا عموميا، ويؤكد على حق المواطنين في الولوج إلى مياه صالحة للشرب، مع تحميل الدولة مسؤولية ضمان هذا الحق للأجيال الحالية والمستقبلية.
كما تتبنى الجزائر مقاربة تدبير مندمج للموارد المائية، وتسعى إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف السادس المتعلق بضمان توفير المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع.
وقد رافق ذلك استثمار عمومي مهم تجاوز 45 مليار دولار في البنية التحتية المائية خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2025.
ورغم هذه الجهود، يظل تحقيق العدالة المائية تحديا قائما، إذ لا يقتصر الأمر على توفير المياه، بل يشمل أيضا ضمان توزيع منصف بين الفئات والمناطق، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإشراك المواطنين في صنع القرار المرتبط بالسياسات المائية.
ويشير التقرير إلى أن تجاوز هذه الإشكالات يقتضي معالجة الأبعاد التاريخية والسياسية التي شكلت أنماط التحكم في الموارد، إلى جانب تطوير السياسات العمومية وسد الثغرات القائمة، في سياق يشهد عودة أشكال جديدة من النفوذ الاقتصادي الخارجي.
كما يدعو إلى تعزيز دور المجتمع المدني والفاعلين المحليين في الدفع نحو إصلاحات تضمن استدامة الموارد وتحقيق الإنصاف، مع التركيز على تحسين الولوج إلى المياه، وترشيد الاستهلاك، ومكافحة التلوث.
وتبقى مسألة ندرة المياه في الجزائر رهينة بقدرة مختلف المتدخلين على اعتماد مقاربة شمولية تجمع بين البعد البيئي والاجتماعي والسياسي، بما يضمن إدارة عادلة ومستدامة لهذا المورد الحيوي.




تعليقات الزوار ( 0 )