يحدث أحيانا أن تكشف المؤسسات عن هشاشتها دون أن يسعى أحد لفضحها، بل لأن بنيتها الداخلية تكون محملة بكل عوامل الانهيار التي تنتظر شرارة صغيرة لتفضح المستور. هذا تحديداً ما وقع حين انتشر التسجيل المنسوب للجنة يفترض أنها حارسة لأخلاقيات المهنة الصحفية، فإذا بها تبدو كجماعة غارقة في التوترات الصغيرة، مفعمة بالغضب، تمارس سلطتها بوصفها غنيمة لا مسؤولية. لقد تلاشى الانضباط الذي يُفترض أن يمنح الوقار، وحلّت مكانه لغة حادة ومواقف تتغذى على الانطباع والتوتر، حتى بدا وكأن الأمر يتعلق بتصفية حسابات لا بعملية تقويم مهني.
كانت هناك لحظة صمت ثقيل لدى كل من شاهد المقطع؛ لحظة انكشفت فيها هشاشة ما يسمى “الأخلاق المهنية”، التي ظهرت كقشرة رقيقة تخفي تحتها رغبات بشرية مكبوتة: رغبة الانتقام، ورغبة الهيمنة، ورغبة إقصاء المختلف. وهي رغبات يعرف الفكر الإنساني منذ زمن طويل أنها إذا ارتدت لباس القانون صارت أشد قسوة وأكثر قدرة على الإيذاء. ولعل ما قاله نيتشه بأن “أخطر الأكاذيب هي تلك التي ترتدي ثوب الحقيقة” يصبح أكثر فاعلية حين ترتدي الكذبة ثوب الأخلاق.
فالصوت الذي تضمنه التسجيل لم يشبه لغة مؤسسة خُصصت لحماية قيم المهنة، بل بدا أقرب لأصوات أفراد خبروا القمع في مراحل ما، فلما امتلكوا سلطة صغيرة أعادوا إنتاجه. وهو ما يشبه ما تحدث عنه عالم النفس الفرنسي دوبور حين قال إن من لا يفهم أثر القمع عليه يعيد إنتاجه بمجرد أن تتاح له الفرصة. وهكذا يصبح السؤال المؤلم: هل كانت اللجنة تحاكم الصحفي حميد المهدوي باسم القيم، أم كانت تسقط عليه تراكماتها النفسية وتوتراتها وعُقد علاقتها بالسلطة؟
لقد كشفت الجلسة المسربة كيف تتحول الجماعة الصغيرة حين تُغلق على نفسها: الكلمات تصبح أكثر انفلاتا، والانفعالات أكثر حدّة، والنبرة أكثر عنفاً، وكأن الجدران تمنح شجاعة زائفة. وهذا ما أكده إريك فروم حين قال إن الإنسان يكشف صورته الحقيقية حين يشعر بأنه خارج نطاق المراقبة. وما ظهر في التسجيل لم يكن صورة مؤسسة، بل صورة السلطة حين تعتقد أنها غير مرئية.
والأدهى أن النقاش بدا كأنه يتحول إلى شكل من العقاب الجماعي، إذ إن النفس البشرية حين تعمل ضمن جماعة مغلقة تتخلص من عبء المسؤولية الفردية، فتصبح أكثر استعداداً للانخراط في المبالغة. وقد بيّن علماء السلوك أن الفرد داخل الجماعة يقول ما لم يكن ليجرؤ على قوله منفرداً، مستنداً إلى حماية الجماعة نفسها. لذلك بدا الصوت الغاضب الذي سمعناه صوتاً يملك جرأة الانفعال لا جرأة الاتزان.
غير أن أكثر ما يثير القلق في التسجيل ليس حدّة اللغة، بل الطريقة التي تم بها تقدير مدة العقوبة عبر استشارة طرف خارجي. هنا يظهر التصدع الحقيقي: حين تصبح العدالة رأياً شخصياً، وحين تتحول العقوبة إلى قرار خاضع للهوى. وهو ما يشبه ما قاله أورتيغا إي غاسيت: حين تتخلى المؤسسة عن معناها تترك أفرادها لغرائزهم الصغيرة. فكيف لمؤسسة تزعم حماية القيم أن تحميها وهي نفسها أسيرة نزوات أفرادها؟
وبنشره للتسجيل، لم يعد المهدوي مجرد طرف في نزاع، بل تحوّل إلى عنصر كشف، إلى مرآة عارية أرغمت الجميع على رؤية ما لم يرغبوا في رؤيته. فالحقيقة، كما يقول زيغمونت باومان، تظهر لا حين نبحث عنها، بل حين تفقد الكذبة قدرتها على الاستمرار.
وقد يقول البعض إن ما فعله خرق للسرية، لكن السؤال الأعمق: أي سرية تستحق الحماية؟ أهي السرية التي تخدم المهنة، أم تلك التي تغطي الانحراف؟ فالسرية ليست قيمة مطلقة؛ قيمتها من قيمة ما تخفيه. وإذا كان ما يُخفى هو هذا القدر من الانفعال والتحيز والخلط بين الذاتي والمؤسساتي، فالدفاع عن السرية يصبح دفاعاً عن الانحراف نفسه.
هكذا يتبين أن ما حدث ليس مجرد خطأ عابر، بل لحظة انهيار رمزي تكشف هشاشة المؤسسات حين يضعف داخلها الضمير. وكما قال هولدرلين: “حيث يشتد الخطر ينمو ما ينقذ”. وربما يكون المنقذ هنا هو هذا الانكشاف ذاته، لأنه يذكّر الجسم الصحفي بأن الجهاز الذي وُجد لحمايته يمكن أن يتحول إلى أداة ضده.
فالنفوس التي ظهرت ليست شريرة في ذاتها، لكنها نفوس بشرية سقطت في امتحان السلطة الصغيرة. وقد قال فرويد إن “قليلاً من السلطة يكفي لقياس عمق الإنسان”. وما رأيناه كان ذلك العمق، وقد خرج من خلف ستار الأخلاق.
وهكذا لا تمثل الحادثة فضيحة لأشخاص بقدر ما تمثل فضيحة لبنية كاملة، بنية نسيت مغزى وجودها. وما بين شكل قديم من الرقابة يفقد قدرته على التخفي، وشكل جديد لم يولد بعد، يقف المجتمع شاهداً على سقوط آخر الأقنعة.






تعليقات الزوار ( 0 )