لم تعد قضية التدوينة التي نشرها الشيخ السلفي محمد الفيزازي حول “أسطول الصمود” مجرد خلاف عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى نقاش أخلاقي ومجتمعي واسع، خاصة بعد تداول معطيات تفيد بتوجه عائلة الطبيبة الطنجاوية شيماء الدرازي نحو مقاضاته بسبب ما اعتبرته إساءة وتشهيرا.
وما زاد من حدة التفاعل ليس فقط مضمون التدوينة، بل المفارقة الرمزية التي التقطها عدد كبير من المغاربة، والتي تتعلق برجل دين ملتحٍ وشيخ سلفي كان يُفترض، وفق الصورة التقليدية التي يقدم بها نفسه، أن ينتصر لامرأة مغربية محتجبة، متعلمة، ناجحة، وذات حضور إنساني في قضية ترتبط بالتضامن مع غزة، لا أن يتحول إلى طرف في حملة تنال من صورة امرأة مغربية وكرامتها.
وفي قلب هذا الجدل، برز سؤال يتجاوز الأشخاص نحو طبيعة الخطاب الديني نفسه داخل الفضاء العمومي المغربي، والسؤال حول ما إذا ما يزال بعض الدعاة يتحركون بمنطق الوصاية الأخلاقية المزيفة على المجتمع، أم أن التحولات الاجتماعية والثقافية التي يعرفها المغرب باتت تفرض خطابا أكثر اتزانا واحتراما للحقوق الفردية والرمزية المعنوية للأشخاص؟
الطبيبة شيماء الدرازي ليست مجرد ناشطة عابرة في الفضاء الرقمي، بل طبيبة مغربية شابة تمثل نموذجا نسائيا يجمع بين الكفاءة العلمية والالتزام الرمزي بالقضايا الإنسانية، وذلك فإن استهدافها، أو حتى التلميح المسيء إليها، لا يمكن تصوره فقط كخلاف سياسي حول “أسطول الصمود”، بل هو تصور صادم بين نظرتين للمجتمع: تصور محافظ يختزل المرأة في موقع الطاعة والتأديب الرمزي، وتصور جديد يرى في المرأة المغربية فاعلا مستقلا يمتلك حق المبادرة والحضور والتعبير.
ويبدو أن القضية تكشف تحولا أعمق في المجتمع المغربي؛ فالصورة التقليدية للشيخ أو رجل الدين لم تعد تمنحه حصانة رمزية تلقائية كما في السابق، بل أصبح هو نفسه خاضعا للمساءلة الأخلاقية والاجتماعية داخل فضاء رقمي مفتوح لا يعترف بالمرجعيات الأحادية.
كما أن لجوء عائلة الطبيبة إلى القضاء يعكس انتقال جزء من النقاشات الرقمية من منطق الرد الافتراضي إلى منطق التقاضي والمؤسسات، في مؤشر على أن المجتمع بدأ يتعامل مع التشهير والإساءة الإلكترونية باعتبارهما أفعالا قابلة للمحاسبة القانونية، وليس فقط مجرد “آراء شخصية”.
إن قضية محمد الفيزازي والطبيبة شيماء الدرازي لا تختزل فقط صداما بين شخصين أو موقفين، بل تكشف تحولات عميقة يعيشها المغرب في علاقته بالدين والمرأة والفضاء العمومي وحدود حرية التعبير.
إن التفاعل الواسع الذي أبداه الرأي العام المغربي دفاعا عن الطبيبة الطنجاوية شيماء لا يمكن قراءته فقط بوصفه موقفا عاطفيا ظرفيا، بل باعتباره تعبيرا عن تحولات عميقة في “المخيال الاجتماعي” المغربي بالمعنى الذي تحدث عنه المفكر الفرنسي/اليوناني كورنيليوس كاستورياديس، أي ذلك النسق الرمزي الذي تنتجه المجتمعات لتحديد صور الشرعية والقيم والنماذج المثالية داخل الفضاء العمومي.
الطبيبة. شيماء، في هذا السياق، لا يُنظر إليها اجتماعيا باعتبارها مجرد فرد، بل بوصفها تجسيدا لـ”المرأة النموذج” داخل المخيال الرمزي المغربي المعاصر، وتتعلق بعناصر سيمية ٍtraits sémiques الذي يشكل الحقل الدلالي Champ sémique لـ”المرأة النموذج”: امرأة محتجبة، متعلمة، ناجحة مهنيا، ومنخرطة في الدفاع عن قيم الكرامة والحرية والتضامن الإنساني. ولذلك فإن التعاطف الكبير معها يعكس، في العمق، يستمد راهنيته وقوته من خلال إعادة تشكل المعايير الرمزية التي تمنح الشرعية الاجتماعية والاحترام داخل المجتمع المغربي.
ومن خلال هذا المنظور، يبدو أن المجتمع المغربي يعيش تحولا تدريجيا في تمثلاته الثقافية للمرأة والسلطة الأخلاقية، إذ لم تعد الشرعية الرمزية تُمنح تلقائيا للخطابات التقليدية أو للهيئات الدينية المحافظة، بل أصبحت مرتبطة أكثر بصورة الكفاءة والنجاح والاستقلالية الأخلاقية والالتزام الإنساني.
وهو ما يعني أن المخيال الجماعي المغربي بات يعيد إنتاج ذاته خارج القوالب التقليدية الجاهزة، عبر بناء نماذج جديدة للرمزية الاجتماعية والاحترام العمومي.



تعليقات الزوار ( 0 )