لا يمكن قراءة موقف جمعية هيئات المحامين بالمغرب الرافض لمشروع قانون مهنة المحاماة بوصفه رد فعل تقنيا معزولا أو انفعالا مهنيا ظرفيًا، لأن ما يتكشف خلف هذا الرفض أعمق من مجرد خلاف حول مواد تشريعية، فنحن أمام لحظة توتر بنيوي بين الدولة بوصفها منتجا للنص القانوني وبين حقل مهني تاريخي تشكل عبر الزمن كسلطة رمزية مستقلة داخل منظومة العدالة، فالقانون كما نبه عالم الاجتماع ماكس فيبر ليس مجرد قواعد مكتوبة بل هو تعبير عن توازن قوى وعن نمط عقلنة للسلطة، وحين يختل هذا التوازن يتحول التشريع من أداة تنظيم إلى أداة إخضاع.
فالمعطيات المتداولة في البلاغات الرسمية للجمعية وفي النقاشات الرقمية الواسعة التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، تكشف أن الصيغة النهائية لمشروع القانون جاءت منقطعة عن مسار الحوار الذي سبقها، وكأن التشاور لم يكن سوى طقس شكلي لتدبير الاختلاف، وليس آلية حقيقية لإنتاج توافق، وهذا الانفصال بين ما قيل داخل غرف الحوار وما كتب داخل النص التشريعي هو ما ولد إحساسا جماعيا لدى المحامين بأنهم أمام فعل تشريعي أحادي، يعيد إنتاج ما يسميه بيير بورديو بالعنف الرمزي، حيث تفرض القواعد باسم المصلحة العامة بينما تقصى الفئات المعنية من تقرير مضمونها.
وأكثر ما أثار حفيظة الهيئات المهنية هو المساس باستقلالية المحامي ليس باعتبارها امتيازًا نقابيا، بل بوصفها شرطا بنيويا لوجود الدفاع نفسه، فالمحامي كما يقول مونتسكيو لا يكون حرا إذا لم يكن آمنا ولا يكون آمنا إذا كانت سلطته مستمدة من رضا السلطة التي يفترض أن يواجهها، فحين يوسع المشروع من آليات المراقبة والضبط ويمنح سلطات واسعة للتدخل في الممارسة المهنية والتأديب والتقييم، فإنه لا يسعى إلى تحديث المهنة بقدر ما يعيد تطويعها محولا الدفاع من قوة اقتراح ومساءلة إلى وظيفة محكومة بمنطق الامتثال.
ويتعمق هذا الإشكال حين ننظر إلى موقع الهيئات المهنية في المشروع، فبدل تعزيز التدبير الذاتي للمهنة باعتباره تجسيدا لمبدأ الاستقلال الجماعي، يلاحظ اتجاه واضح نحو تقليص صلاحيات الهيئات وإعادة تمركز القرار خارجها، وهذا التحول يعكس تصورا إداريا للعدالة، ويرى في التنظيم المهني مجالا للوصاية لا فضاءا للاستقلال، وهو تصور حذر منه إميل دوركهايم حين اعتبر أن تفريغ الجماعات المهنية من أدوارها التنظيمية يفضي إلى هشاشة اجتماعية، لأن الوسائط التي تضمن التوازن بين الفرد والدولة تصبح معطلة.
كما أن المشروع في بنيته العامة يعيد إنتاج تفاوتات داخل الجسم المهني نفسه، فشروط الولوج ومسارات التكوين وأنماط الترقي كما انتقدت في النقاشات المهنية لا تسير في اتجاه توسيع قاعدة العدالة داخل المهنة، بل في اتجاه تكريس تراتبية اجتماعية ومهنية مقنعة، وهنا يبرز تحليل أنطونيو غرامشي حول الهيمنة حيث لا تفرض السيطرة بالقوة المباشرة بل عبر آليات قانونية وثقافية تقنع الخاضعين بأن ما يحدث طبيعي وضروري، فالقانون في هذه الحالة لا يلغي التفاوت بل يمنحه شرعية مؤسساتية.
واللافت في هذا السياق أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ما يشبه المجال العمومي الموازي، حيث عبر المحامون عن رفضهم بلغة مباشرة وأحيانا راديكالية كاشفين عن أزمة ثقة عميقة في المسار التشريعي، لأن هذا التحول الرقمي في التعبير ليس تفصيلا عابرا بل مؤشر على ما وصفه يورغن هابرماس بانسداد قنوات التواصل العقلاني داخل الفضاءات الرسمية، وهو ما يدفع الفاعلين إلى البحث عن منابر بديلة لصناعة الرأي والضغط الرمزي.
وأما البرنامج النضالي الذي أعلنت عنه جمعية هيئات المحامين من توقف عن الخدمات المهنية إلى الدعوة لجمعيات عامة استثنائية، فينبغي فهمه خارج منطق التصعيد التقني، لأنه فعل رمزي بامتياز يذكر بأن العدالة ليست جهازا إداريا محايدا بل بناء اجتماعي يقوم على توازن دقيق بين سلطات متعددة، وحين يختزل هذا البناء في منطق النص وحده دون اعتبار للأدوار التي تلعبها المهن القضائية فإننا نكون أمام ما يسميه ميشيل فوكو بتقنيات الحكم حيث يعاد إنتاج السلطة عبر التنظيم الدقيق للحياة المهنية.
إن جوهر الأزمة التي فجرها مشروع قانون مهنة المحاماة لا يكمن فقط في مواده بل في الفلسفة التي تحكمه، فهي فلسفة ترى في المحامي موضوعا للتقنين قبل أن يكون شريكا في إنتاج العدالة، وفي المهنة مجالا للضبط أكثر مما هي فضاء للحرية المسؤولة، والحال أن التاريخ كما يذكرنا أليكسيس دو توكفيل يظهر أن قوة العدالة في المجتمعات الحديثة لا تقاس بصرامة القوانين بل بقدرة الفاعلين داخلها على ممارسة أدوارهم باستقلال وشجاعة.
ومن هذا المنظور يصبح رفض جمعية هيئات المحامين بالمغرب تعبيرا عن صراع أعمق حول معنى الإصلاح ذاته، ومؤداه هل هو تحديث تقني يفرض من أعلى أم مسار تشاركي يعترف بأن العدالة لا تبنى دون محام حر ومستقل ومحصن؟ وما لم يعاد النظر في المشروع لا من حيث صياغته فقط بل من حيث روحه ومنهجه، سيظل هذا الصراع مفتوحا، لأن القانون حين يفقد توازنه يتحول من أداة إنصاف إلى مرآة لاختلال السلطة.






تعليقات الزوار ( 0 )