انطلاقاً من المعطى الثابت المتمثل في مصادقة مجلس الحكومة، بتاريخ 8 يناير 2026، على مشروع قانون يتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، ومع تسجيل عدم إيداع هذا المشروع، إلى حدود تاريخه، لدى مكتب مجلس النواب، فإن هذا الوضع، وإن كان لا يثير من حيث المبدأ أي شبهة خرق لمقتضيات الدستور أو القوانين التنظيمية المؤطرة للعمل الحكومي، اعتباراً لكون الدستور ولا القانون التنظيمي رقم 065.13 المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة لم يحددا أجلاً زمنياً ملزماً لإحالة مشاريع القوانين بعد المصادقة عليها، فإنه يفتح بالمقابل مجالاً واسعاً للتساؤل حول الدلالات التشريعية والسياسية الكامنة وراء هذا الإيقاع الزمني في تدبير المسار التشريعي للنص.
وبالرجوع إلى السياق الزمني العام الذي يندرج فيه هذا المشروع، يلاحظ أن الدورة الأولى من السنة التشريعية 2025–2026، التي افتتحت خلال الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، تقترب من نهايتها مع مطلع شهر فبراير، انسجاماً مع العرف البرلماني الذي استقر عليه العمل، والقاضي بإعلان رئيس مجلس النواب اختتام الدورة الخريفية خلال الأسبوع الأول من فبراير، تفادياً لختمها بمرسوم صادر عن رئيس الحكومة وفق ما يسمح به الدستور. وهو ما يجعل، من الناحية العملية، إدراج مشروع قانون ذي طبيعة مهنية ودستورية حساسة، كقانون المحاماة، ضمن جدول أعمال هذه الدورة، ثم إحالته على اللجان المختصة ومناقشته والتصويت عليه داخل الجلسة العامة، أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن متعذراً في حدود الزمن التشريعي المتبقي.
ومن هذا المنطلق، يفضي التحليل المنطقي لمسار المشروع إلى ترجيح إحالته، في حال إيداعه، على الدورة الربيعية التي تنطلق خلال الجمعة الثانية من شهر أبريل، وهو ترجيح تؤكده أيضاً المقتضيات الصريحة للمادة 184 من النظام الداخلي لمجلس النواب، التي تخول للحكومة صلاحية سحب أي مشروع قانون في أي مرحلة من مراحل المسطرة التشريعية وقبل تمام الموافقة عليه. وهي صلاحية ذات دلالة عميقة، تفيد بأن الإيداع البرلماني، حتى لو تم، لا يشكل التزاماً تشريعياً نهائياً، ولا يحد من سلطة الحكومة في إعادة التقدير أو مراجعة الاختيارات التشريعية متى تبين لها أن السياق المؤسساتي أو المهني أو الحقوقي لا يسمح بالاستمرار في الصيغة المقترحة.
وعند الانتقال إلى طبيعة المشروع ذاته، يتعين التأكيد على أن مشروع قانون المحاماة لا يندرج ضمن فئة النصوص التنظيمية العادية أو التقنية المحضة، بل يتعلق بمهنة تضطلع بوظيفة دستورية أصيلة داخل منظومة العدالة، وتشكل شريكاً عضوياً في إرساء شروط المحاكمة العادلة، وضمان حقوق الدفاع، وتحقيق الأمن القانوني والقضائي. وهي خصوصية تفرض أن يتم التعاطي مع هذا النص بمنطق مغاير لمنطق السرعة التشريعية، وأن يُؤطر بمنهجية قوامها التريث، والحوار المؤسساتي، واستحضار الأبعاد الحقوقية والدستورية العميقة التي تحكم تنظيم المهنة.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى تأخر إيداع المشروع، وعدم الدفع به فوراً إلى التداول البرلماني، بوصفه مؤشراً سياسياً وتشريعياً على وعي الحكومة بحساسية الموضوع، وبحجم التحفظات والانتقادات التي أثيرت حول بعض مقتضياته، خاصة تلك التي اعتبرتها الهيئات المهنية مساساً باستقلالية المهنة وضمانات ممارستها. كما يمكن، في قراءة موازية، تفسير هذا التأجيل باعتباره تدبيراً زمنياً يرمي إلى امتصاص منسوب التوتر داخل الجسم المهني، في ظل الأشكال النضالية التي أُعلن عنها أو التي يُحتمل الإعلان عنها، بما يسمح باستنزاف زخمها أو إعادة ضبط إيقاع التفاعل حول المشروع.
غير أن القراءة الأكثر انسجاماً مع منطق دولة القانون والمؤسسات تذهب إلى اعتبار هذا التأجيل فرصة موضوعية لإعادة فتح قنوات الحوار الهادئ والمسؤول، في سياق أقل احتقاناً، يسمح بإعادة فحص المقتضيات المثيرة للجدل، وضبطها على ضوء المرجعيات الدستورية الناظمة للمهنة، ولا سيما تلك المرتبطة باستقلال المحاماة، وحصانة الترافع، وعدم المساس بوظيفة الدفاع باعتبارها ضمانة جوهرية لحقوق المتقاضين قبل أن تكون امتيازاً مهنياً.
وتأسيساً على ما استقر عليه الاجتهاد القضائي، كما كرسته محكمة النقض في العديد من قراراتها، فإن جودة التشريع لا تُقاس بسرعة إخراجه أو بتكثيف وتيرة المصادقة عليه، وإنما تُقاس بمدى انسجامه مع مبادئ الشرعية والتناسب والملاءمة، وبقدرته على تحقيق الغاية التي وُضع من أجلها دون انحراف أو تعسف في استعمال السلطة التشريعية. وهي مبادئ تفرض، في مجال تنظيم مهنة المحاماة، اعتماد منطق التوافق بدل منطق الفرض، وإشراكاً فعلياً وحقيقياً للمهنيين بدل الاكتفاء بإجراءات شكلية للتشاور لا تنعكس آثارها على مضمون النص.
وفي المحصلة، يظل الرهان الجوهري المطروح اليوم لا يتعلق بتاريخ إيداع مشروع قانون المحاماة ولا بسرعة إدراجه ضمن الأجندة البرلمانية، بقدر ما ينصرف إلى مضمون هذا المشروع، ومدى خلوه من كل ما يمكن أن يشكل مساساً بالضمانات الدستورية أو إخلالاً بالتوازن الدقيق بين السلطة العامة ومهنة الدفاع. ذلك أن أي اختلال في تنظيم المحاماة لا ينعكس فقط على الجسم المهني، بل يمتد أثره المباشر إلى حق المواطن في الدفاع، وإلى صورة العدالة ذاتها، باعتبارها التعبير الأسمى عن دولة القانون، والمقياس الحقيقي لثقة المجتمع في مؤسساته.






تعليقات الزوار ( 0 )