لم يجد أنصار منظمة شبابية تابعة لحزب حكومي في المغرب من نشيد حماسي يرددونه سوى هتافهم بشكل جماعي: «سنعلنها ثورة في الجبال»! وكانت مناسبة هذا «الإعلان» انعقاد مؤتمرهم الإقليمي في مدينة بني ملال، وفي ذلك رمزية دالة كون هذه المدينة تقع بمحاذاة الجبال وسط البلاد.
وحين انتشر الفيديو الذي يتضمن «نشيد الثورة الموعودة» انتشار النار في الهشيم عبر وسائط التواصل الاجتماعي، تحوّل إلى مسخرة أمام العالم، إذ تساءل مدوّنون على سبيل الطرافة والاستغراب: هل تبنّى حزب «الأصالة والمعاصرة» الحكومي الخيارَ الثوري؛ دون علم ماركس ولينين وستالين وماو تسي تونغ وغيرهم… وقرّر الكفاح المسلح في الجبال؟! والحال أن تأسيس هذا الحزب يعود إلى صديق العاهل المغربي وزميله في الدراسة ومستشاره الحالي فؤاد عالي الهمة… كما أن قياداته الأولى كانت دائما مقربة من الدوائر العليا.
مُعلّقون آخرون حاولوا إيجاد صلة وصل بين تلك العبارة النارية وبين ما كان يتردد في «حلقات» الجامعات المغربية خلال السبعينيات ـ بالخصوص ـ على لسان الطلبة المتشبعين بالفكر الماركسي اللينيني من شعارات قوية مُناهضة للسلطة، قبل أن تُطوى صفحة الخيار الثوري وتقع المصالحة بين التيار اليساري والنظام الملكي، فيُرتكن إلى الخيار الديمقراطي والتداول السلمي على المؤسسات المنتخبة. ومع ذلك، ظلّت تلك العبارة الثورية جزءًا من نشيد يردده أنصار حزب «النهج الديمقراطي العمالي» ذي التوجّه الراديكالي.
فئة ثالثة حاولت إيجاد صلة قرابة بين عبارة «سنُعلنها ثورة في الجبال» وبين ما كان يردده القيادي الأمازيغي الراحل المحجوبي أحرضان إذا استشاط غضبًا من المسؤولين، حيث يقول: «نطلعو لجبل» (سنصعد إلى الجبل) إحالة على سردية تاريخية تفيد بأن السكان الأمازيغ كانوا يصعدون إلى الجبل ويحتمون به وبعلوّه في مواجهة التغلغل الاستعماري، لتكون موازين القوى في صالحهم.
ويشطح الخيال بأصحاب التأويلات بعيدًا، مُحاولين تفسير تلك العبارة الثورية بقرب الانتخابات التشريعية في المغرب، وبالتالي فالأمر في نظرهم يُضمر نوعًا من التهديد، بما مفاده: إذا لم نفز في هذه الاستحقاقات الانتخابية، فسوف نُعلنها ثورة في الجبال!
في المقابل، وبعيدًا عن القراءات «المُغرضة»، يقول أصحاب النيات الحسنة: كل ما في الأمر أن مُنتسبي المنظمة الشبابية التابعة لحزب «الأصالة والمعاصرة» استبقوا الحملة الانتخابية المقبلة بالإعلان عن الشعار الكبير لبرنامجهم، وهو شعار ذو دلالة مجازية، معناها: سنقوم بثورة اقتصادية واجتماعية في الجبال عبر برامج تنموية شاملة!
ـ ولكن، لماذا لم تقوموا بذلك طيلة خمس سنوات من مشاركتكم في الحكومة وفي البرلمان والمجالس المحلية والإقليمية وغيرها؟ يجيب مواطن مغربي… قبل أن يضيف: قوموا بهذه الثورة في السهول أولاً قبل أن تصعدوا إلى الجبال!
نشيد لروح النضال!
هناك وجه آخر لشعار «سنُلعنها ثورة في الجبال» الذي تردد على لسان شباب حزب «الأصالة والمعاصرة»، وهو معضلة الفقر في الخيال والإبداع واستسهال الصيغ التعبيرية باللجوء إلى الجاهز والمتداول والمألوف.
تفسير ذلك أن تلك العبارة وردت في نشيد يندرج ضمن ما يطلق عليه «أدب السجون»، فقد تفتقت مخيّلة الشباب المغربي المتشبع بالفكر الثوري خلال بداية السبعينيات من القرن الماضي بأشعار ملحمية انتقلت من لسان إلى لسان، وبقيت لصيقة بمن يطلق عليهم «الرفاق»، من بينها قولهم:
«لنا يا رفاق لقاء غدَا… سنأتي ولن نخلف الموعدَ فهذي الجماهير في صفّنا… ودرب النضال يمدّ اليدَ سنشعلها ثورة في الجبالْ… سنشعلها ثورة في التلالْ وفي كل شبر سنبعثها… نشيدًا يجدد روح النضالْ».
ليس ذلك فقط، بل إن الفقر الإبداعي شمل باقي كلمات وألحان نشيد المنظمة الشبابية المذكورة، فعوض ابتكار شعر ولحن جديدين، اقتبسوا من النشيد المصري المعروف: «بلادي بلادي بلادي…» ليرددوا: «بامي… بامي… بامي…» و»البام» لمن لا يعرفه هو اختصار للحروف اللاتينية الأولى التي يبدأ بها اسم «حزب الأصالة والمعاصرة».
والواقع أن هذا القصور الإبداعي والتواصلي يشمل حتى خطاب الوزراء المنتمين إلى الحزب نفسه، إذ يظهرون بمظهر ضعيف وغير مقنع خلال المشاركة في البرامج الحوارية بالقنوات التلفزيونية، تماما مثلما وقع ليونس السكوري، وزير الإدماج الاقتصادي، أثناء استضافته في برنامج على القناة الثانية، حيث وجد نفسه محرجًا أمام الأسئلة الجريئة التي أمطره بها ناشط سياسي، فلجأ إلى أسلوب المراوغة والهروب إلى الحديث عن فترة تولّي حزب «العدالة والتنمية» للولاية الحكومية لمدة عشر سنوات…
وهذه طريقة مألوفة لدى حزبي «الأصالة والمعاصرة» و»التجمع الوطني للأحرار» كلما وجهت إليهم انتقادات حول أدائهم في الحكومة والمؤسسات المنتخبة، إذ يرجعون إلى الفترة الممتدة من 2011 إلى 2021. وما زالوا يرددون الأسطوانة نفسها بعدما شارفت ولايتهم الانتدابية على الانتهائية، علما بأن رئيس الحكومة نفسه، عزيز أخنوش، كان ضمن التشكيلة الوزارية خلال الولاية الحكومية السابقة التي توجّه إليها سهام النقد.
من زلّة إلى أخرى!
أخنوش لا يزيل عنه قبعة رجل المال والأعمال، حتى وإن كانت مهمته كرئيس للحكومة ذات طابع سياسي شامل، ومن ثم يجد نفسه يميل أكثر إلى الفئة التي ينتمي إليها، ناسيًا هموم الشعب وكل فئات المجتمع المغربي.
لذلك، لم تهدأ بعد الضجة التي أثارتها تصريحاته الأخيرة من على منصة البرلمان، حيث خاطب المتحكمين في سوق الأكباش، داعيًا إياهم إلى عدم الاحتفاظ بالأغنام والإسراع بإخراجها للبيع، لأن الاحتفاظ بها حتى اقتراب عيد الأضحى، ومن ثم دخول الأغنام بكثرة إلى الأسواق في وقت واحد، يعني انخفاض الأثمان، وهذا ما يريده المواطن، يقول أخنوش!
التفسير الذي قاله المسؤول الحكومي نفسه يعني أن العرض سيكون أكثر من الطلب مع اقتراب عيد الأضحى، مما يؤدي إلى انخفاض أثمان الأكباش، وبالتالي فذلك في صالح المواطن وليس في صالح الباعة! والحل إذن؟ الحل حسب نصيحة رئيس الحكومة هو الإسراع بضخّ الأسواق باللحوم هذه الأيام حتى تبقى محتفظة بأسعارها الملتهبة جدا.
بوركت يا رئيس حكومة تدعي عن نفسها أنها «اجتماعية»!
إنها زلة حاول أخنوش تداركها لاحقا، لكن كما يقول المحللون النفسيون في تفسير زلة اللسان أو «زلة فرويد»: عندما يخطئ شخص ما في الكلام فإنه يكشف دون قصد عن رغبة مضمرة هي الصحيحة والمقصودة.
وانضافت هذه الزلة إلى ما صدر عن أخنوش منذ شهور عدة خلال مثوله أمام البرلمانيين، حينما ردّ على مَن يتحدث عن زواج المال بالسلطة في المغرب وكذا عن استفادة المقربين من الصفقات العمومية، بقوله إنه شخصيا يعرف ثلثي أرباب الشركات والمقاولات، وفي حال ترديد مثل ذلك الكلام، فإنه سيؤدي إلى توقفهم عن العمل. وهو ما فُسّر بكونه تهديدًا صريحًا من لدن رئيس الحكومة واستقوائه بزملائه من رجال المال والأعمال في وجه المواطنين… فمن يقول العكس إذًا؟!




تعليقات الزوار ( 0 )