ثروات مستنزفة وتصدير مركزي للموارد
تختزن مجالات أقاليم القنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مقدرات اقتصادية بارزة تتوزع بين 240.000 هكتار من الأراضي الفلاحية السقوية المتنوعة.
تضم هذه الرقعة الجغرافية المنطقة الحرة الأطلسية المتخصصة في صناعة أجزاء الطائرات ومشروعا صينيا ضخما لإنتاج بطاريات السيارات الكهربائية.

يضع هذا التوجه الاستثماري القنيطرة ضمن الأقطاب الصناعية المستقبلية المستدامة والصديقة للبيئة إلى جانب مشاريع لوجستية كبرى كمحطة القطار فائق السرعة.
توجه العائدات المالية والمنتجات المستخرجة من هذه المجالات بشكل شبه كلي نحو التصدير الخارجي أو لتغذية أقطاب اقتصادية وطنية أخرى.
يحرم هذا التوجيه الماكرو اقتصادي ساكنة الجماعات المحلية من الانعكاسات الإيجابية للمشاريع المهيكلة على واقعهم المعيشي اليومي ومستوى دخلهم الفردي.
تكتفي الساكنة المجاورة لهذه الاستثمارات الضخمة بلعب دور اليد العاملة الرخيصة والموسمية دون الاستفادة من أي ارتقاء فعلي في سلم التنمية البشرية.
مفارقة البنية التحتية والتهديد المناخي
يبرز سوء الحكامة الترابية عبر التناقض الميداني الواضح بين المواصفات العالمية للمناطق الصناعية المستحدثة ورداءة البنية التحتية للمدن والجماعات القروية المحيطة بها.
تفتقر حواضر كالقنيطرة وسيدي يحيى الغرب ومراكز صاعدة كسيدي الطيبي لشبكات تصريف قادرة على الصمود أمام التهديد المستمر للفيضانات الموسمية.

يعيش الآلاف من ضحايا الفيضانات بمنطقة الغرب معاناة متكررة مع كل فصل شتاء تكبدهم خسائر مادية فادحة في المحاصيل والممتلكات الخاصة.
تتحول حقول زراعية بأكملها إلى مستنقعات راكدة تتلف الغلة وتدفع صغار الفلاحين نحو الاستدانة لتعويض خسائرهم بعيدا عن أي مواكبة مؤسساتية.
تعاني المسالك الطرقية الرابطة بين الأحياء السكنية ومقرات العمل بالمنطقة الحرة من تدهور بنيوي يضاعف معاناة الموظفين وعمال المصانع بشكل مستمر.
يفرز هذا العجز التدبيري اختناقات مرورية خانقة تعكس فشل المجالس المتعاقبة في استثمار الطفرة الصناعية لتأهيل المجال الحضري وتوفير شبكة نقل عمومي.
ثقل ديمغرافي وتوظيف انتخابي
تعكس أحدث أرقام المندوبية السامية للتخطيط من إحصاء 2024 ثقلا ديمغرافيا هائلا للمنطقة بتجاوز سكان إقليم القنيطرة 1.284.000 نسمة.
تستحوذ جهة الرباط سلا القنيطرة على أكثر من 5.133.000 نسمة لتشكل بذلك كتلة بشرية ضخمة تناهز 14% من إجمالي سكان المملكة.
تفرض هذه الكثافة السكانية المتصاعدة تحديات أمنية وخدماتية جسيمة تعجز المجالس المنتخبة حاليا عن تلبيتها وفق المعايير الإدارية المعتمدة.
تتحول هذه الكتلة الديمغرافية المثقلة بالتناقضات الاقتصادية إلى مجرد وعاء انتخابي يتم استغلاله بشكل دوري كل 5 سنوات لتأمين مقاعد برلمانية وجماعية.

يقتصر حضور الفاعلين السياسيين على فترات الحملات الدعائية لجمع الأصوات عبر استغلال الهشاشة الاجتماعية بالدواوير والأحياء الهامشية لضمان استمرار نفوذهم.
تغيب المشاريع السياسية القادرة على معالجة قضايا البطالة المتفشية وتأهيل البنية التحتية المتهالكة بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع وإعلان النتائج الرسمية للمحطات الانتخابية.
يعتمد المرشحون المتنافسون على شبكات الولاء التقليدية والانتماءات العائلية واستغلال النفوذ المالي لضمان استمراريتهم في المواقع الانتدابية بعيدا عن أي تعاقد سياسي.
أزمة الثقة وتدوير النخب المستهلكة
يفتقد المشهد السياسي بمنطقة الغرب لأي نخب محلية قيادية قادرة على كسر نمطية التدبير الكلاسيكي وتجاوز أزمة الثقة العميقة بين المواطن وصناديق الاقتراع.
تكتفي الأسماء المتصدرة للوائح التصويت بإعادة تدوير وعود قديمة والاعتماد على الترحال بين الأحزاب لتجديد تموقعها داخل خريطة المصالح الإدارية والمالية.
يفضي هذا التصحر القيادي إلى إنتاج مجالس منتخبة هشة تفتقر للكفاءة التقنية والرؤية الاستراتيجية اللازمة لمفاوضة القطاعات الحكومية وجلب اعتمادات مالية إضافية.
تغرق هذه الكفاءات المحدودة في صراعات حول التفويضات الإدارية وميزانيات التسيير تاركة القضايا الجوهرية للساكنة خارج جداول أعمال الدورات العادية والاستثنائية للمجالس.
النفور الشبابي وتعميق الفجوة الانتدابية
يولد هذا الاستغلال الموسمي للأصوات حالة من الإحباط الجماعي والنفور الواضح من المشاركة في العمل الديمقراطي لدى فئات واسعة من الشباب الغرباوي.

يدرك الناخب المحلي عبر تراكم التجارب تحوله إلى أداة تصويتية ضمن معادلات سياسية تخدم الطموحات الشخصية للمنتخبين وتساهم في تضخيم ممتلكاتهم العقارية.
تتعمق الفجوة بين الساكنة والفاعلين الحزبيين مع كل ولاية جديدة تسجل تراجعا إضافيا في جودة المرافق العمومية وارتفاعا في معدلات الهجرة القروية.
تتبخر البرامج الانتخابية بمجرد اصطدامها بالواقع التدبيري الذي تحكمه الارتجالية وغياب التخطيط الحضري السليم القادر على استيعاب التحولات الاقتصادية المتسارعة والمطالب الاجتماعية.
احتكار المقدرات وتغييب التنمية المحلية
تشهد الموارد الطبيعية المحلية كرمال الشريط الساحلي والأراضي الفلاحية السلالية استنزافا متواصلا يخدم أجندات مصلحية لا تعود بنفع مادي على الميزانيات الجماعية.
تحرم الممارسات الاحتكارية مجالس العمالات والأقاليم من مداخيل ضريبية هامة قابلة للتوظيف في تعبيد الطرق القروية المنهارة وبناء مستوصفات صحية مجهزة.
يتم توجيه عائدات الثروات نحو مراكمة الأرباح الفردية لبعض النافذين ومحترفي الانتخابات مستغلين ضعف المراقبة الميدانية لتكريس نفوذهم على المشهد الترابي العام.
يفسر هذا الخلل الهيكلي الفادح استمرار مظاهر الهشاشة العمرانية وانعدام قنوات الصرف الصحي في جماعات تساهم بنسب مهمة في الناتج الداخلي الخام.
قصور الحكامة وتعثر المشاريع المندمجة
تعاني المشاريع ذات البعد الخدماتي من تعثرات متتالية بسبب ضعف المتابعة التقنية وافتقار مكاتب الدراسات التابعة للجماعات للكفاءات الهندسية والإدارية المتخصصة.
تتوقف العديد من أوراش التهيئة الحضرية بمجرد استنفاد الدفعات المالية الأولى مما يخلف شوارع غير مكتملة التعبيد ومساحات خضراء مهملة تتحول لمطارح.
يؤدي غياب الالتقائية بين برامج المجالس الإقليمية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية إلى هدر مالي ملحوظ وتكرار في تمويل صفقات غير ذات أولوية.
يضاعف هذا التخبط من كلفة الاستثمار العمومي ويحرم الساكنة من مرافق حيوية كالأسواق النموذجية والمراكز الثقافية ودور الشباب والملاعب الرياضية المجهزة.
يفرض استمرار هذا النزيف الاقتصادي والركود التنموي تفعيل آليات الرقابة الإدارية والمالية للحد من تحويل المجالس المنتخبة إلى وكالات لتأمين المصالح الفردية.
يتطلب تقويم المسار تدخلا ميدانيا من الأجهزة التابعة لوزارة الداخلية والمجالس الجهوية للحسابات لافتحاص الميزانيات السنوية وتتبع مآل العائدات الضريبية بشكل دقيق.
تبقى الهيئات الحزبية المانحة للتزكيات والقطاعات الحكومية الوصية مسؤولة بشكل مباشر عن استمرار هذا العبث التدبيري الذي يرهن مستقبل جهة الغرب بأكملها.


تعليقات الزوار ( 0 )