أخبار ساعة

20:22 - ترامب يتراجع عن فرض “رسوم حماية هرمز” ويتجه لإبرام اتفاقات استثمارية مع الخليج19:46 - حصيلة مشجعة وإكراهات تقنية تواجه عاما من تطبيق العقوبات البديلة18:40 - الوزيرة السغروشني تدعو من الرباط إلى تعزيز قيادة عمومية إفريقية تنبع من الواقع ومنفتحة على العالم18:26 - وهبي: خطتي ضد فرنسا فشلت وأتحمل مسؤولية غياب شخصية “الأسود”17:22 - لفتيت يطلق مشاورات انتخابات 2026 ويعيد تفعيل اللجنة المركزية17:00 - سجال داخل مجلس النواب بين الاتحاد الاشتراكي و”البام” بشأن التحركات الحزبية في الأقاليم الجنوبية16:30 - السفارة الأمريكية: إطلاق المركز الإفريقي للتدريب والتجريب متعدد المجالات يفتح فصلا جديدا في الشراكة الدفاعية بين واشنطن والرباط16:22 - وزارة النقل تستبعد مدارس تعليم السياقة من الدعم الاستثنائي وتؤكد: لا زيادات في التعريفات خارج القانون16:10 - الطالبي العلمي: الحكومة تفاعلت مع 62% من الأسئلة الكتابية بمجلس النواب خلال الولاية الحالية15:17 - صادرات زيت الزيتون المغربي إلى إسبانيا تسجل قفزة قياسية.. ارتفاع الكميات بأكثر من مئة ضعف بفضل وفرة الإنتاج وانخفاض الأسعار
الرئيسية » مقالات الرأي » غرامشي في العصر الرقمي: كيف تُصنَع الهيمنة في عالم بلا قضبان؟

غرامشي في العصر الرقمي: كيف تُصنَع الهيمنة في عالم بلا قضبان؟

يُعدّ أنطونيو غرامشي من أبرز المفكرين الماركسيين الذين تجاوز تأثيرهم حدود زمنهم التاريخي. فبينما كتب “دفاتر السجن” في سياق صعود الفاشية الإيطالية، جاءت مفاهيمه – وعلى رأسها مفهوم الهيمنة – قادرة على تفسير آليات السيطرة والاستمرارية في الرأسمالية المعاصرة. إن راهنية غرامشي اليوم لا تكمن في بعده التاريخي، بل في قدرته التحليلية على تفكيك العلاقات المعقدة بين الاقتصاد، السياسة، والثقافة في المجتمعات الحديثة.

يرتكز التصور الغرامشي للمجتمع على فكرة محورية مفادها أن السلطة لا تُمارَس بالقسر وحده، بل تقوم أساساً على القبول الطوعي. فالهيمنة، بحسب غرامشي، هي قدرة الطبقة الحاكمة على فرض رؤيتها للعالم بوصفها رؤية عامة ومشتركة، بحيث تتحول مصالحها الخاصة إلى “حسٍّ سائد” يُنظر إليه باعتباره طبيعياً وبديهياً. وبهذا المعنى، تصبح السيطرة الثقافية والأخلاقية أكثر فعالية واستدامة من السيطرة القمعية المباشرة.

يفصل غرامشي بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، دون أن يفصل بينهما وظيفياً. فالدولة، بما تملكه من أدوات قانونية وقمعية، تمثل مجال الإكراه، في حين يشكّل المجتمع المدني مجال الإقناع وبناء الإجماع. وتضم هذه الساحة مؤسسات التعليم، الإعلام، الأحزاب، النقابات، والمؤسسات الدينية والثقافية. وفي هذا الفضاء تحديداً تُحسم معركة الهيمنة، حيث تُنتَج المعاني وتُشكَّل القناعات الجماعية.

يولي غرامشي أهمية خاصة لدور المثقفين، إذ لا يعتبرهم فئة منفصلة عن البنية الاجتماعية. فكل طبقة اجتماعية تُنتج مثقفيها العضويين القادرين على التعبير عن مصالحها وتنظيم رؤيتها للعالم. وفي المقابل، يسهم المثقفون التقليديون، رغم ادعائهم الحياد، في إعادة إنتاج الهيمنة القائمة.

ومن هنا، يصبح الصراع الفكري والثقافي جزء لا يتجزأ من الصراع الطبقي عند إسقاط هذه المفاهيم على الواقع الراهن، يظهر بوضوح كيف نجحت النيوليبرالية في ترسيخ ذاتها كمنظومة فكرية مهيمنة. فلم تعد سياسات السوق الحرة، والخصخصة، وتقليص دور الدولة مجرد خيارات اقتصادية، بل تحولت إلى منطق عام يُقدَّم بوصفه الخيار الوحيد الممكن. وقد لعب الإعلام السائد، والمؤسسات الأكاديمية، والخطاب السياسي دوراً مركزياً في تطبيع هذا النموذج وإقصاء البدائل.

في العصر الرقمي، اكتسب المجتمع المدني أبعاداً جديدة من خلال منصات التواصل الاجتماعي. فقد تحولت هذه المنصات إلى فضاء مركزي لإنتاج الخطاب وتشكيل الرأي العام، مما جعلها ساحة رئيسية لـ“حرب المواقع” الغرامشية. ورغم أنها تُستخدم من قبل النخب الاقتصادية والسياسية لإعادة إنتاج الهيمنة، فإنها تتيح في الوقت نفسه إمكانات للمقاومة وبناء سرديات مضادة تكشف الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، واتساع الفوارق الاجتماعية، عن تصدّعات عميقة في الهيمنة النيوليبرالية. فوفقاً لغرامشي، تدخل المجتمعات في لحظات أزمة عندما يعجز النظام القائم عن إنتاج إجماع جديد. وفي هذا السياق، يبرز صعود الشعبوية كعرض لأزمة هيمنة، حيث تحاول قوى جديدة ملء الفراغ عبر خطابات تبسيطية تقوم على الهوية والخوف والاستقطاب.

في هذا المشهد، يتخذ المثقف العضوي أشكالاً جديدة. فلم يعد محصوراً في الأكاديميين أو المنظرين السياسيين، بل يشمل النشطاء الرقميين، وصناع المحتوى، وقادة الحركات الاجتماعية. هؤلاء يلعبون دوراً حاسماً في بلورة الوعي الجماعي، سواء في قضايا البيئة، العدالة الاجتماعية، أو مناهضة التمييز، ويعيدون تعريف الفعل السياسي خارج الأطر التقليدية. تؤكد المقاربة الغرامشية أن التغيير الاجتماعي لا يتحقق عبر السيطرة على أجهزة الدولة فقط، بل من خلال إعادة تشكيل الوعي الجمعي. فـ“حرب المواقع” داخل المجتمع المدني هي معركة طويلة النفس، تتطلب عملاً ثقافياً وتربوياً وإعلامياً متواصلاً، يهدف إلى تفكيك الحس السائد وبناء تصور بديل للعالم أكثر عدالة وشمولاً.

في الختام، يقدّم فكر غرامشي أداة تحليلية بالغة الأهمية لفهم الرأسمالية المعاصرة وتناقضاتها. فهو يذكّرنا بأن الهيمنة ليست قدراً محتوماً، بل بناء تاريخي قابل للتفكك وإعادة التشكل. ومن هذا المنطلق، فإن استحضار غرامشي اليوم ليس مجرد تمرين نظري، بل دعوة واعية للمشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل، انطلاقاً من الوعي بأن كل نظام مهيمن يحمل في داخله بذور تجاوزه.

دكتور في الاقتصاد وأستاذ زائر

           
تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

الفساد الإداري في مناقشة الأطروحات: حين تتحول الخبرة العلمية إلى مجاملة مصلحية

14 يوليو 2026 - 1:44 ص

لم تعد بعض مظاهر الفساد داخل الجامعة مرتبطة فقط بالتوظيف أو المباريات أو تدبير الموارد، بل امتدت أحياناً إلى فضاءات

المغرب نحو 2030: حين تتحول المفاجأة إلى مشروع دولة

13 يوليو 2026 - 11:11 ص

انتهى مونديال 2026، وبقي السؤال الذي يهم الأمم أكثر من سؤال الفوز والخسارة: ماذا بعد؟ فالمنتخبات الكبيرة لا تُقاس بما

كيف يفكر “الطريق الرابع” في الدولة في زمن التحديات والتحولات؟

13 يوليو 2026 - 11:08 ص

هذا مجرد جواب مختصر عن سؤال واحد من بين عشرات الأسئلة التي أتلقاها من أصدقاء وفاعلين يرغبون في فهم رؤية

امتحانات الباكالوريا: مساواة في الإجراءات الإدارية وتفاوت في شروط التحصيل الدراسي والمعرفي

12 يوليو 2026 - 10:01 م

الباكالوريا ليست شهادة مدرسية – فقط – بل اعتراف اجتماعي للناجح  تحتل شهادة الباكالوريا في المغرب موقعا هاما يتجاوز قيمتها

الأمم العظيمة لا تُقلِّد… بل تُبدِع

12 يوليو 2026 - 9:57 م

في التاريخ، لم تُكتب أمجاد الأمم بالحبر الذي كتبه الآخرون، بل بالأفكار التي أبدعتها شعوبها والإرادة التي صنعت بها مستقبلها.

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°