في المغرب، قد يغفر لك الشارع كل شيء… إلا أن تتحدث عن فلسطين بلسانين. لهذا بدا اسم عزيز هناوي مثيرا للجدل منذ اللحظة التي طرح فيها كمرشح للبرلمان، وهو الذي بنى جزءا كبيرا من صورته داخل خندق مناهضة التطبيع، ووسط معارك مفتوحة ضد الاختراق الصهيوني للمغرب.
فكيف يمكن لرجل يقود مرصدا يهاجم التطبيع بلا هوادة، أن يواصل انتماءه إلى حزب وقع أمينه العام السابق اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل؟ وكيف يوازن بين الوفاء الحزبي والغضب الشعبي؟ وهل يتحرك هناوي بمنطق المناضل المبدئي أم السياسي الذي يحاول النجاة داخل حقل ألغام اسمه التطبيع؟
في هذا الحوار الذي أجرته جريدة”الشعاع الجديد”، لا يهرب عزيز هناوي من المناطق الملغومة، بل يقتحمها مباشرة، متحدثا عن سعد الدين العثماني، وأحمد ويحمان، وعن غضب المرصد، وحدود الطاعة الحزبية، ومعنى أن تكون ضد التطبيع من داخل حزب وجد نفسه ذات يوم في قلب عاصفة التوقيع.
ترشيحكم للبرلمان رغم شهرتكم بمناهضة التطبيع… كيف تفسرون التقاطع بين العمل الحزبي والنضال المدني؟
أنا مناضل منتظم في حزب العدالة والتنمية منذ سنة 1996، أي منذ ثلاثة عقود كاملة، وأعتز بهذا الانتماء الذي ينسجم مع خلفيتي الفكرية والتربوية والاجتماعية.
الحزب اتخذ منذ تأسيسه موقفا واضحا وثابتا من التطبيع الصهيوني، رفضا ومواجهة، وتم توثيق ذلك في مرجعياته السياسية والفكرية، كما ظل حاضرا في مواقف قياداته وهيئاته وشبيبته وقطاعاته المهنية والفريق البرلماني منذ أول تجربة تشريعية سنة 1997.

لهذا لا أرى أي تناقض بين النضال المدني والعمل الحزبي، بل أرى تكاملا عضويا بينهما. النضال المدني يضعنا وسط فضاء شعبي واسع يضم أحرار الوطن من مختلف التيارات، بينما يمنح العمل الحزبي أدوات مؤسساتية ودستورية للإصلاح والتأثير.
مناهضة التطبيع قضية سيادية وأخلاقية تتجاوز الأحزاب، والبرلمان يظل فضاء حيويا للترافع بالقوانين وآليات الرقابة. تجربتي داخل المرصد منحتني خبرة ميدانية، والحزب يوفر الإطار السياسي لتوسيع هذا التأثير.
كيف تقرؤون الجدل بين أحمد ويحمان وسعد الدين العثماني بخصوص التطبيع؟
يجب أولا التذكير بأن الرجلين معا من مؤسسي مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين، وهي الإطار الذي انبثق عنه المرصد المغربي لمناهضة التطبيع.
الدكتور سعد الدين العثماني كان دائما في الصفوف الأمامية للمسيرات والفعاليات الداعمة لفلسطين، وقدم دعما ملموسا للقضية حتى من موقعه كرئيس للحكومة.
لكن لحظة إعلان استئناف التطبيع الرسمي في بلاغ 10 دجنبر 2020، ثم توقيع الاتفاق الثلاثي مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، فرضت على المرصد اتخاذ موقف صارم بحكم مسؤوليته النضالية والأخلاقية. لا يتعلق الأمر بأي خصومة شخصية بين ويحمان والعثماني، بل بموقف مبدئي يرفض التطبيع ويرفض التهاون معه.
أحمد ويحمان معروف بمواقفه الحادة تجاه كل أشكال التطبيع، وهذا ينسجم مع موقعه داخل المرصد. أما الدكتور العثماني، فرغم تاريخه المعروف في دعم فلسطين، فإن موقعه الحكومي لا يعفيه من تحمل مسؤوليته السياسية والأخلاقية عن توقيع الاتفاق، خاصة بعد الانفجار غير المسبوق لمظاهر الاختراق الصهيوني لمختلف القطاعات.
أعتقد أن الكرة اليوم في ملعب الدكتور العثماني نفسه، عبر تقديم نقد ذاتي واضح وتجديد التعبير عن رفض التطبيع والدعوة إلى إلغائه، بدل توجيه اللوم للمرصد الذي يقوم فقط بواجبه في الرصد والمساءلة.
إن فزتم بمقعد برلماني، هل ستكونون صوتا لمناهضي التطبيع داخل المؤسسة؟ وما الحدود؟
بالتأكيد. حزب العدالة والتنمية نفسه يتبنى هذا الموقف منذ سنوات داخل البرلمان، وبالتالي لن أكون حالة استثنائية. سأعمل، إذا نلت ثقة الناخبين، على ترجمة هذا الموقف إلى أدوات دستورية وتشريعية، عبر الأسئلة البرلمانية ومقترحات القوانين والترافع المؤسساتي.
الحدود الوحيدة هي حدود الصلاحيات القانونية والدستورية داخل المؤسسة التشريعية، لكن داخل هذه المساحات هناك إمكانيات واسعة للدفاع عن السيادة الوطنية ومواجهة الاختراق الصهيوني. سأظل وفيا للقضية الفلسطينية ولنبض الشعب المغربي الرافض للتطبيع.
ساهمتم في توفير مقر للحزب بسلا الجديدة… هل يعكس ذلك قناعة سياسية متكاملة؟
طبعا. حزب العدالة والتنمية هو بيتي السياسي منذ سنوات طويلة، وليس انتماء عابرا أو موسميا. توفير مقر للحزب في سلا الجديدة لم يكن مجرد مساهمة لوجستية، بل تعبيرا عن قناعة والتزام.
أؤمن بأن العمل السياسي يحتاج إلى فضاءات للتأطير والتكوين والحوار، ولذلك يسعدني أن يتحول بيتي إلى فضاء يخدم الشباب والمواطنين.
كيف توفقون بين موقعكم في حزب وقع أمينه العام السابق على اتفاق التطبيع، وقيادتكم لمرصد يرفض التطبيع؟
التطبيع كان قرار دولة ولم يكن قرارا حزبيا خالصا، وهو امتداد لمسار رسمي سبق حتى تأسيس حزب العدالة والتنمية نفسه. الحزب ظل يحتفظ بموقفه الرافض للتطبيع داخل وثائقه ومؤسساته ومواقف مناضليه.
أما المرصد المغربي لمناهضة التطبيع فهو إطار مدني مستقل، ومناهضة التطبيع من داخله لا تتناقض مع الانتماء لحزب يرفض بدوره التطبيع من حيث المبدأ والعقيدة السياسية. داخل الحزب نعبر بحرية وصراحة عن مواقفنا، ولم أتردد يوما في إعلان موقفي الرافض للتطبيع.
هل أنتم أقرب إلى مقاربة ويحمان الرافضة جذريا أم إلى منطق تدبير الدولة عند العثماني؟
الأمر ليس شخصيا إطلاقا، بل يتعلق بالموقف المبدئي. أنا منحاز بوضوح إلى رفض التطبيع باعتباره خطرا على المغرب وعلى الأمة، وليس فقط تضامنا مع فلسطين. أتشرف بالنضال إلى جانب أحمد ويحمان منذ سنوات طويلة، لكن القضية ليست قضية أشخاص.

الدكتور العثماني كان في موقع حكومي لحظة التوقيع، وهذا واقع لا يمكن تجاهله، لكنه لا يبرر استمرار الصمت بعد كل ما وقع من اختراقات وتوسع غير مسبوق للتطبيع، خاصة بعد حرب الإبادة في غزة وتصاعد الاستهداف الإسرائيلي للقدس والضفة الغربية.
هناك من يصفكم بـ”القلب مع العثماني والسيف مع ويحمان”… كيف تردون؟
قد أتفهم هذا التوصيف مجازيا، لأنني أفرق بين تحميل الدكتور العثماني مسؤولية التوقيع الرسمي، وبين الاعتراف بخلفيته الفكرية الداعمة لفلسطين والمقاومة. هذا ليس موقفا عاطفيا، بل محاولة للتمييز بين المسؤولية السياسية والموقف الشخصي.
أما التموضع إلى جانب ويحمان في خندق مناهضة التطبيع فهو أمر طبيعي بالنسبة لي. لا أرى أي ازدواجية في ذلك، بل أرى تعدد زوايا لمقاربة مشهد معقد يتطلب قدرا من الموضوعية بعيدا عن المحاباة أو الضغائن المؤدلجة.
خصومكم يقولون إن ترشيحكم يوظف القضية الفلسطينية انتخابيا… ما ردكم؟
هذا اتهام رخيص ومستهلك. فلسطين بالنسبة إلي ليست شعارا انتخابيا ولا وسيلة للركوب على الموجة. إنها قضية عقائدية ونضالية رافقتني منذ سنوات طويلة.
فلسطين ليست سلعة سياسية، بل قضية مضمخة بدماء الشهداء وتضحيات المقاومين، ومن يتاجر بها سيسقط أخلاقيا وتاريخيا.
إلى أي حد يمكن الفصل بين الالتزام بالقضية الفلسطينية والحسابات الحزبية في المغرب؟
لا يمكن الفصل الكامل، لأن العمل السياسي يتحرك داخل واقع معقد مليء بالإكراهات والتوازنات. لكن المطلوب هو الحفاظ على البوصلة الأخلاقية والمبدئية، وعدم التضحية بالقضية تحت ضغط الحسابات السياسية.

أنا شخصيا لم أغير موقفي يوما. رفض التطبيع ثابت عندي، والدفاع عن القدس وفلسطين جزء من قناعتي الفكرية والسياسية.
ما رسالتكم للناخب المغربي الذي يتساءل عن انسجام الخطاب السياسي مع المواقف الفعلية؟
رسالتي واضحة: على المواطن أن يتابع الشأن السياسي بوعي ومسؤولية، وأن يحاكم الفاعلين السياسيين بناء على رصيدهم ومواقفهم الحقيقية، لا بمنطق التنمر الشعبوي أو الأحكام السطحية.
السياسة ليست فضاء مثاليا، بل مجال معقد تحكمه توازنات داخلية وخارجية، لكن ذلك لا يعني التخلي عن المبادئ. أدعو المغاربة إلى التمييز بين من يمارس السياسة بمنطق النضال والمسؤولية، وبين من يحول الأحزاب إلى مجرد واجهات انتخابية موسمية بلا مشروع ولا هوية.


تعليقات الزوار ( 0 )