كشفت حصيلة سنة 2025 عن حجم غير مسبوق من التعاون المالي والتقني بين المغرب والاتحاد الأوروبي، حيث بلغت الأداءات المصروفة فعلياً نحو 332 مليون أورو، مقابل غلاف إجمالي مرصود قدره 225 مليون أورو، إضافة إلى تعاقدات قاربت 45 مليون أورو، وأظهرت العمليات الجارية مستوى تعاون ضخم يفوق 1.7 مليار أورو موزعة على 153 برنامجاً ومشروعاً، يتصدرها دعم الميزانية بأكثر من 1.2 مليار أورو، إلى جانب تمويل عشرات المشاريع ومنح المجتمع المدني، ما يعكس دينامية مالية موجهة لمواكبة إصلاحات هيكلية وتنموية.
وهذه المؤشرات الرقمية تتقاطع مع تعاون تقني ومالي بلغت قيمته حوالي 3.5 مليارات درهم، موزعة بين برامج الحماية الاجتماعية، ودعم الفلاحة المستدامة، وتسريع البحث العلمي والانتقال الطاقي، وفي ظل هذا الزخم، يبرز تساؤل حول ما إذا كانت هذه الأرقام تمثل ذروة مسار قائم أم مقدمة لمرحلة أوسع من التكامل الاقتصادي، ومدى قدرة هذه الشراكة على تحويل التمويلات إلى أثر تنموي مباشر ومستدام، في سياق إقليمي ودولي سريع التحول.
-لغة الأرقام
يشير محمد أفزاز، الخبير والمحلل الاقتصادي المقيم في قطر، إلى أن قراءة الأرقام المرتبطة بالتعاون المالي والتقني بين المغرب والشريك الأوروبي تكشف تحولاً نوعياً في طبيعة التدفقات المالية، بحيث لم تعد ظرفية أو محدودة، بل أصبحت تعكس تمويلاً شبه مستقر وممتداً زمنياً.
وأبرز أفزاز في تصريح لجريدة “الشعاع”، إلى أن هذا المعطى يتجاوز البعد المحاسباتي للأرقام ليعبر عن مرحلة جديدة من الشراكة التي تقوم على دعم الميزانية ومواكبة البرامج الاجتماعية والاقتصادية وفق أهداف متفق عليها، في سياق دولي يتسم بالاضطراب.
وأكد أن هذا الزخم المالي يبعث برسائل ثقة للأسواق والمستثمرين، مفادها أن المغرب يرسخ موقعه كشريك موثوق اقتصادياً ومؤسساتياً، في وقت تعرف فيه علاقات اقتصادية كبرى تباطؤاً أو إعادة تموضع.
وأوضح الخبير والمحلل الاقتصادي، أن استمرار قنوات التعاون بوتيرة منتظمة يعكس متانة العلاقة مع الاتحاد الأوروبي، وقدرتها على الصمود أمام تقلبات الاقتصاد العالمي.
وأردف أن المرحلة المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على الاحتفاء بحجم التمويلات، بل يجب أن تتحول إلى فرصة استراتيجية لإعادة توجيه جزء منها نحو دعم النمو الإنتاجي والصناعي، بما يعزز فرص التشغيل والاستدامة الاقتصادية على المديين المتوسط والطويل.
-ثقة الشراكة
يرى أفزاز أن التدفقات المالية الأوروبية نحو المغرب تمثل مؤشراً واضحاً على انتقال العلاقة من منطق الدعم الظرفي إلى منطق الشراكة شبه المستقرة.
ولفت إلى أن استمرار التمويل، خاصة في مجالات دعم الميزانية والبرامج الاجتماعية، يدل على وجود ثقة مؤسساتية في قدرة المغرب على إدارة هذه الموارد وتوجيهها نحو الأولويات المتفق عليها، موضحاً أنه يعكس نضجاً في العلاقة الثنائية وتراكماً في آليات التعاون.
وأضاف أن هذا الزخم المالي يأتي في توقيت حساس يتسم بتصاعد النزعات الحمائية وتراجع مستويات التعاون الدولي في عدة مناطق، معتبراً إن حفاظ الشراكة على ديناميتها يمنح المغرب موقعاً متقدماً كشريك يعتمد عليه، ليس فقط اقتصادياً، بل أيضاً في ملفات إقليمية مرتبطة بالاستقرار والهجرة وسلاسل الإمداد، لافتاً إلى أن هذه الأبعاد تعزز من صورة المغرب كفاعل متوازن قادر على التكيف مع التحولات الدولية.
وشدد على أن استمرار التدفقات المالية يعكس اقتناعاً أوروبياً بأن المؤسسات المغربية قادرة على توجيه هذه الموارد نحو القطاعات الأكثر هشاشة ومردودية.
وأشار الخبير والمحلل الاقتصادي، إلى أنه لو لم يكن هناك اطمئنان إلى كفاءة التوجيه والتنفيذ، لما استمر هذا الحجم من التمويل، معتبراً أن الثقة هنا ليست سياسية فقط، بل تقنية ومؤسساتية أيضاً، ما يرسخ أسس شراكة طويلة المدى.
-رهان التحويل
رغم الإيجابيات الواضحة، يؤكد أفزاز أن الرهان الحقيقي بالنسبة للمغرب يتمثل في الانتقال من مرحلة تثمين الأرقام إلى مرحلة إعادة توجيه جزء من هذه التمويلات نحو دعم النمو الاقتصادي المباشر.
واستطرد أن تمويل الحماية الاجتماعية وبرامج الصمود يظل مهماً، لكنه يحتاج إلى موازاة مع استثمارات تخلق قيمة مضافة وتدعم القطاعات الإنتاجية.
وأبرز أن تحويل جزء من التمويلات التقنية والميزانياتية نحو مشاريع صناعية وتنموية يمكن أن يساهم في خلق فرص عمل مستدامة، بدل الاقتصار على برامج ذات أثر قصير المدى.
وذكر الخبير والمحلل الاقتصادي، أن هذا التوجه سيعزز من قدرة الاقتصاد المغربي على تحقيق نمو ذاتي قائم على الإنتاج، وليس فقط على الدعم.
ويرى أن إقناع الشريك الأوروبي بهذا التحول يتطلب رؤية مغربية واضحة تبرز أولويات التنمية الصناعية وربط التمويل بأهداف تشغيلية ملموسة.
وشدد على أن الشراكة في جوهرها، ليست مجرد تدفقات مالية، بل أداة لإعادة تشكيل البنية الاقتصادية بما يحقق توازناً بين البعد الاجتماعي ومتطلبات النمو.
-الانتقال الأخضر
يعتبر أفزاز أن برامج الانتقال نحو الطاقات المتجددة لم تعد خياراً بيئياً فحسب، بل أصبحت معياراً لقياس تنافسية الاقتصادات وقدرتها على الولوج إلى الأسواق.
ولفت إلى أنه في هذا السياق، تمثل الشراكة مع الجانب الأوروبي رافعة أساسية لدعم هذا التحول، بما ينسجم مع المعايير الجديدة للتجارة والاستثمار.
وأردف أن خفض كلفة الطاقة عبر التوسع في الطاقات المتجددة سينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج الصناعي، ما يعزز قدرة المنتجات المغربية على المنافسة داخل الأسواق الأوروبية.
ونبه إلى أن تكاليف الطاقة تستحوذ على حصة كبيرة من النفقات، وأي تحسن في هذا الجانب يعني رفع هامش التنافسية والصمود في بيئة تجارية أكثر صرامة.
وذهب أبعد من ذلك بالقول إن نجاح المغرب في مسارات التصنيع والطاقة الشمسية يضعه في موقع مؤهل للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصدير الطاقة الخضراء.
وأوضح أنه في ظل اضطرابات أسواق النفط العالمية، تبرز الطاقات البديلة كخيار استراتيجي، ما يمنح الشراكة بعداً مستقبلياً يتجاوز التعاون المالي إلى إعادة تموضع المغرب داخل خريطة الطاقة والاقتصاد الأخضر.




تعليقات الزوار ( 0 )