لكي ندرك خطورة الحرب الجارية في منطقة الشرق الأوسط نعود لتدوينة في غشت 2020 لعبد الله عبد الخالق الذي يوصف بكونه مستشار الرئيس الإماراتي محمد بن زايد، بعد اتفاق التطبيع بين الامارات ودولة الاحتلال، قال فيها “نحن أمام حدث سياسي صعب ومعقد، ولسنا في عرس. نصفكم غير فاهم القصة، وربعكم كالأطرش في الزفة، وبعضكم صار صهيونيا أكثر من الصهاينة. هرولتكم غير مطلوبة أصلًا وأنتم تسيئون أكثر مما تفيدون دولة مقبلة على حدث مفصلي ضخم”، وهي التدوينة التي قال فيها عين الحقيقة، وإن كان انقلب على رأيه فيما بعد.
ولفهم خطورة ما يجري خصوصا بالنسبة لدول الخليج، ينبغي معرفة التركيبة السكانية لهذه الدول وطبيعتها الجغرافيا والاقتصادية.
إن خطر التركيبة السكانية يتجلى بشكل رئيس في دولتين هناك، وهما البحرين في الدرجة الأولى والكويت في الدرجة الثانية، مع اضافة السعودية، وإن كانت لا تعاني من خطورة الأمر كما هو الأمر بالنسبة للبحرين والكويت
تعاني البحرين والكويت من معضلة الاختلاف الطائفي، وتواجد المكون الشيعي بكثافة، ففي البحرين تبلغ نسبة الشيعة ما بين 50 و70%، اما في الكويت فيشكل الشيعة ما يقارب ثلث السكان؛ ولهذا فقد مرت البحرين من أزمة عميقة سنة 2011 حينما عمت المظاهرات المدعومة من ايران البلاد، والتي كان الشيعة مكونها الرئيس، ولم يتم وقفها إلا بتدخل قوات ذرع الجزيرة بقيادة السعودية.
إن معضلة الاختلاف الطائفي هي ما يفسر اختلاف تعاطي النظام البحريني وكذلك الكويتي مع مسألة التيارات المحسوبة على الإخوان المسلمين، بحيث لم يتم تصنيف تلك التيارات كجماعات ارهابية في سياق الحملة ضد الجماعة منذ 2013، لأن تلك التيارات هي عامل توازن مهم جدا وحساس لمواجهة المكون الشيعي، ولهذا فهم ممثلون في البرلمان وكان منهم وزراء.
لكن، في ظل الحرب الدائرة اليوم في المنطقة، وفي ظل المعركة الوجودية التي يواجهها النظام الإيراني، فقد تكون إحدى الوسائل التي يلجأ اليها النظام الإيراني هي توظيف المكون الشيعي في البلدين، وقد تزداد هجمات النظام الإيراني وقوتها ضد مناطق حساسة لزعزعة استقرار البلدين؛ يضاف إلى هذا معضلة الحدود الكويتية-العراقية، وعلاقة وتجذر ايران بأطياف واسعة مع المكون الشيعي بميلشياته المسلحة، وهو ما يشكل تحديا كبيرا بالنسبة للكويت وكذلك للسعودية وحتى الأردن بحكم الجغرافيا.
أما بالسنبة للاقتصاد، فبإمكان ايران توقيف الحياة تماما في دول الخليج في حال تطورت الأمور نحو حرب شاملة وكبيرة، فإيران قادرة على توجيه ضربات لمنشآت حيوية في حال شعور النظام الإيراني بالخطر الداهم على بقائه، وقد تعلمت السعودية من هجمات جماعة الحوثي سنة 2019 درسا قاسيا حينما أوقفت تلك الهجمات نصف انتاج البلاد من النفط، ولم تتدخل امريك خلال ولاية ترمب الأولى للدفاع عن السعودية، بل ان ترمب صرح علنا بأنه لم يعدهم بالدفاع عنهم، والأكثر من ذلك فقد قال وهو رئيس -وباستخفاف- بأن أنظمة الخليج غير قادرة على حماية نفسها لمدة أسبوعين دون دعم أمريكي.
لهذا، فالدول الخليجية تتلقى اليوم الضربات الإيرانية، لكنها غير قادرة عمليا على الرد على إيران، لأنها تدرك خطورة أي مواجهة مباشرة مع إيران؛ ومن هنا نفهم تصريح الرئيس الأمريكي ترمب والذي قال فيه بأنه لا يرى ضرورة لمشاركة دول الخليج في الهجمات ضد إيران، كما نفهم اعلان فرنسا وبريطانيا وألمانيا التدخل لحماية حلفائها في المنطقة.
ومهما كانت مخرجات الحرب الحالية، فلن تكون في صالح دول الخليج:
ـ ففي حالة سقوط النظام الإيراني، سيقوم نظام موال لأمريكا وهو ما سيضعف من مكانة تلك الدول، كما كان حاصلا خلال ايام الشاه -الذي احتل الجزر الاماراتية-، كما ان اي نظام علماني موال لأمريكا في ايران سينظر للمنطقة بازدراء، وسترجع مكانة ايران كشرطي امريكي لضبط المنطقة، وحليف استراتيجي لدولة الاحتلال، وهو ما سيجعل دول المنطقة تخضع بالضرورة لكل الإملاءات الامريكية.
ـ أما في حالة حصول اتفاق بين امريكا والنظام الحالي، فلن يكون بالضرورة في صالح دول المنطقة، لأنه سيحرر ايران من العقوبات الامريكية، وهو ما من شأنه تحويل ايران لدولة قوية اقتصاديا، كما ان النظام الحالي، حتى في حال الاتفاق مع امريكا، سيتجه نحو امتلاك السلاح النووي، بعد الثمن الباهض الذي قدمه وسيقدمه في هذه المواجهات، ولن ينس ما يعتبره تواطئا لدول المنطقة مع أمريكا.
-أما في حالة اندلاع حرب أهلية في ايران فستكون دول المنطقة أكبر خاسر، لأن تبعاتها ستكون غاية في الخطورة على دول المنطقة، والفوضى التي ستعم إيران لن تبق حبسية إيران، خصوصا مع كمية الأسلحة الضخمة والنوعية التي تتوفر عليها إيران، ومع وجود الملايين من الشيعة في دول المنطقة والذين يعتبرون الولي الفقيه مرجعهم الأعلى.
إنها معضلة، وحلها هو معاهدة شبيهة بمعاهدة ويستفاليا، وتخلي إيران عن سياساتها الخاطئة ضد دول المنطقة وشعوبها، في مقابل تراجع دول الخليج عن الارتهان الكامل للحماية الأمريكية التي يتأكد مدى خطأ الرهان عليها، بل انها تحولت لعبء كبير على دول المنطقة.
باحث في الدراسات السياسية والدولية



تعليقات الزوار ( 0 )