قدم البلاغ الصادر عن الديوان الملكي بتاريخ 3 يونيو 2026، بشأن الاستقبال الاستثنائي الذي خصه جلالة الملك محمد السادس لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة بمقر إقامة الأخير بالرباط، معطى بروتوكوليا دالا ومدخلا منهجيا متينا لتعرية وتفكيك الأنساق المعرفية المتهافتة التي تسوقها شبكات “الخبراء الاستراتيجيين” في القنوات الفضائية.
إننا نرى أن التحليلات الإعلامية التي يطرحها مقدمي انفسهم “بالخبراء الاستراتيجيين” تتهاوى أمام الممارسة الدبلوماسية المغربية التي تتبنى مقاربة الاعتماد المتبادل المعقد، والذي يقوم على أولوية الاقتصاد وتعدد الشركاء، وتدحض تماما باراديغم الكهنة الجدد الذي يدعي “الواقعية الهجومية” الذي يحاول في الإعلام والشاشات عسكرة التحالفات الثنائية ودفع المؤسسات السيادية الى حروب المحاور الإقليمية.
ولتبيان حجم الهوة بين الرزانة الدبلوماسية للدولة، وعبث ما نسميه كهنة الاستراتيجيا الجدد، نعمد إلى تشريح الخطاب الإعلامي المواكب للزيارة (نموذج ندوة قناة DW عربية بتاريخ 3 يونيو 2026)، ونقابله بالوقائع التاريخية، والأرقام، والعقيدة السياسية للمملكة المغربية:
أولا: سيميائية البروتوكول الملكي
لقد صاغ البلاغ الملكي محددات الزيارة بكلمات دالة ودقيقة، واصفا إياها بالزيارة “الخاصة”، ومؤطرا إياها ضمن “الروابط الأخوية العميقة” و”التعاون المثمر” إلى جانب إجراء الاستقبال بمقر إقامة الضيف، وهو ما نفهم من خلاله انه تجاوز للأعراف البروتوكولية المتعارف عليها لترسيخ ثقة مؤسساتية هادئة تبحث عن التنمية وتقوية الشراكة الاستراتيجية بعيدا عن الاستعراضات العسكرية.
في المقابل، مارس الخبير التلفزيوني (عبد الحق الصنايبي) عملية “أمننة” تعسفية لهذا الحدث الدبلوماسي، وحول التنسيق المدني إلى غرفة عمليات حربية، وقد تجلى هذا الانزلاق في تصريحه بشكل حرفي عند تحليله للزيارة بقوله:
“لو احتاجت الإمارات العربية المتحدة حتى للجيش الملكي المغربي فلن يتأخر المغرب في تقديم هذا الدعم… ومستعد لتصريف الأقوال إلى أفعال قولا واحدا”.
وبذلك يصادر هذا التصريح قرار مؤسسة سيادية كبرى (القوات المسلحة الملكية)، ويرهنها في صراعات لا تدخل ضمن نطاق أمنها القومي المباشر، كما اعتمد في تحليله للزيارة على التخويف لتبرير هذا التوجه، حيث يضيف المتدخل قائلا:
”أثبتت الأحداث الأخيرة في الشرق الأوسط… بأن الدولة التي لا تمتلك قوة عسكرية وأدوات الردع فهي تغامر بأمنها القومي”.
وهي محاولة لدفع الجيش المغربي الى الانخراط في الحروب بالوكالة (Proxy Wars)، كما تعهد الخبير بإرسال الجيش للخليج، وهذا قفز مباشر على الدستور المغربي وتجاهلا خطيرا لآليات اتخاذ القرار السيادي، وتقديم خدمة مجانية لأجندات تسعى لجر المنطقة الى الصراعات والفوضى.
ثانيا: اصطدام أوهام العسكرة بصلابة العقيدة الدفاعية وتاريخ الحياد الإيجابي
تسقط أطروحة عسكرة الشراكات أمام الجدار الصلب للتاريخ السياسي الحديث للمغرب، فالعقيدة العسكرية والدبلوماسية للمملكة مؤطرة بمبدأ التحوط الاستراتيجي Strategic Hedging وهو مفهوم في العلوم السياسية يحيل على استراتيجية الدول التي تتجنب الانخراط التام في الاستقطابات الحادة، وتحاول الحفاظ على التوازن الذي يحمي مصالحها من تقلبات القوى الكبرى والإقليمية، و يتجلى هذا التوجه في المحطات التاريخية التالية:
ـ أزمة الخليج (يونيو 2017): حين اندلعت الأزمة وتم إعلان مقاطعة دولة قطر، اختار المغرب موقفا سياديا هام جدا، يوم 11 يونيو 2017، متمثلا في “الحياد البناء” ولم يخضع المغرب لضغوط الاصطفاف، بل وجه طائرات محملة بالمواد الغذائية إلى الدوحة، محافظا في الوقت ذاته على علاقاته الاستراتيجية مع أبوظبي والرياض، وعارضا وساطة سلمية لحل الأزمة.
ـ الانسحاب من حرب اليمن (2019): شارك المغرب في “عاصفة الحزم” سنة 2015 من منطلق التضامن العربي التأسيسي، لكنه سرعان ما أجرى تقييما سياديا للوضع، وأعلن في فبراير 2019 رسميا وقف مشاركته في العمليات العسكرية وسحب طائراته من التحالف، وتجميد حضوره في الاجتماعات العسكرية التابعة له، مؤكدا على أولوية الحل السياسي والوضع الإنساني.
ـ العمليات العسكرية المشروطة: إن القوات المسلحة الملكية ذات العقيدة الدفاعية المحضة لحماية التراب الوطني، حين تتحرك خارج الحدود، فإنها تفعل ذلك تحت مظلة الشرعية الدولية ومجلس الأمن الأممي (مثل التجريدات العسكرية المغربية المتواجدة حاليا في جمهورية إفريقيا الوسطى MINUSCA وجمهورية الكونغو الديمقراطية MONUSCO.
وعليه فهذه الأحداث تنسف تماما ادعاءات “الكهنة الجدد” القائلة بأن التحالف مع دول الخليج يعني التبعية العسكرية العمياء والمشاركة المباشرة في الصراعات الإقليمية المفتوحة.
ثالثا: الانتقال من الخندق الأمني إلى الفضاء الجيواقتصادي
يحمل خطاب “الكهنة الجدد” تناقضا داخليا صارخا، ففي نفس الندوة، أقر الخبير نفسه بأن المغرب “وقع أزيد من 1400 اتفاقية اقتصادية في القارة الإفريقية” وأن “العقل التجاري والاقتصادي لا يتوافق مع الحرب”. ورغم هذا الإقرار الصريح بصوابية التوجه الجيواقتصادي للمملكة، يعود الخبير ليقترح تصدير الجيوش.
تؤكد المرجعيات الاستراتيجية للمملكة أن نقل ثقل التحالفات من مربع الجغرافيا السياسية العسكرية إلى فضاء الجيواقتصاد هو الخيار الاستراتيجي للدولة، وتستند هذه الأطروحة إلى تقرير النموذج التنموي الجديد (2021) الذي حسم في تموقع المغرب كقطب جيواقتصادي إقليمي، متجاوزا منطق المحاور الأمنية الضيقة. وتتأكد ايضا هذه العقيدة من خلال الخطب الملكية، باعتبارها أسمى وثيقة سيادية توجيهية، وتحديدا خطاب المسيرة الخضراء (نوفمبر 2023) الذي أطلق “المبادرة الأطلسية”، لتطرح معها المملكة المقاربة العسكرية الكلاسيكية لحل الأزمة الأمنية في دول الساحل بمقاربة جيواقتصادية محضة، تتيح لتلك الدول الولوج إلى البنيات التحتية الأطلسية، تأسيسا على قناعة راسخة بأن التنمية المشتركة هي الضامن الفعلي للاستقرار الإقليمي.
وينعكس هذا التوجه أيضا على الاتفاقيات العابرة للحدود، كمشروع أنبوب الغاز النيجيري-المغربي، الذي هو معاهدة اقتصادية إدماجية لـ 13 دولة، وهو ما يثبت انتقال النسق الدبلوماسي المغربي من الارتهان للتحالفات العسكرية المستوردة، إلى أمن قومي مستدام مبني على تشبيك المصالح الاقتصادية، وتُبنى الشراكة المغربية الإماراتية تحديدا على هذا الأساس التنموي:
ـ إعلان الشراكة (ديسمبر 2023): وقع قائدا البلدين في أبوظبي إعلانا يركز على الاستثمار في القطاعات التالية (الموانئ، القطار الفائق السرعة، الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر).
ـ المبادرة الأطلسية لدول الساحل: أطلقها جلالة الملك في خطاب المسيرة الخضراء (6 نوفمبر 2023)، كإجابة تنموية على الهشاشة الأمنية في الساحل، من اجل ربط هذه الدول بالمحيط الأطلسي وتطوير البنية التحتية.
ـ أنبوب الغاز النيجيري-المغربي: وهو مشروع يمتد على مسافة 5,600 كيلومتر، غايته تحقيق اندماج اقتصادي لـ 13 دولة إفريقية.
إن هذه المشاريع الكبرى هي إيمان مغربي راسخ يتمحور حول تحقيق الأمن الإقليمي الذي يقوم على التكامل الاقتصادي والمقاربة التنموية، وهي أرقام ووقائع تفند ادعاءات المدرسة التشكيكية التي تدور في فلك المعضلة الأمنية Security Dilemma وتعتبر كل تقارب ثنائي بمثابة تأسيس لسباق تسلح موجه ضد الجوار.
رابعا: مركزية القرار السيادي في مواجهة فوضى التحليل الاستراتيجي
يُفضي تحليلنا لهذه الخطابات الإعلامية إلى إثبات طبيعتها الوظيفية والأيديولوجية الموجهة أساسا لتصنيع هواجس أمنية مصطنعة، يعمد فيها مقاولو التحليل الاستراتيجي إلى ممارسة عنف رمزي يصادر العقلانية الدبلوماسية للدول، ويختزل تحركاتها في مقاسات الحروب والاصطفافات الحدية. وهذا الاختزال التبسيطي هو قصور بنيوي في استيعاب عقيدة الاستقلالية الاستراتيجية التي تؤطر النسق الدبلوماسي المغربي، والمبنية على تنويع الشراكات وإدارة التناقضات الدولية بمنطق براغماتي يرفض الارتهان للمعادلات الصفرية.
وفي مواجهة فوضى هذ التحليل الذي يقتات على دوغما التخويف وحتمية الصراع، يقف القرار السيادي للدولة الوطنية كحائط صد منيع يلعب على توازن العلاقات الخارجية، فالنسق المؤسساتي المغربي يحتفظ بمسافة نقدية وعملية تفصل بين الالتزام التضامني المبدئي والعميق مع الحلفاء الاستراتيجيين، وبين الانجرار وراء سرديات الاستقطاب العسكري والحروب بالوكالة.
يُثبت هذا السلوك الدولاتي الرزين أن صناعة القرار الخارجي داخل المملكة يترفع عن الاستجابة للانفعالات الظرفية للاستوديوهات التلفزيونية، ويبني تحالفات عقلانية تستوعب تعقيدات النظام الدولي، وتوجه ثقلها نحو التراكم الماكرو-اقتصادي، مؤكدة أن السيادة تتجلى في القدرة على تطويع التحالفات لخدمة مشاريع التنمية، وإجهاض كل المساعي الرامية إلى رهن أمن المنطقة لمغامرات عسكرية تسوقها خبرات استراتيجية منفصلة عن واقع الممارسة الدبلوماسية العريقة.

باحث في العلوم السياسية


تعليقات الزوار ( 0 )