في ورقة تحليلية أنجزها الباحث المتخصص في قضايا الهجرة واللجوء، حسن بنطالب، ونشرتها منصة “ميغرابريس” الرقمية المتخصصة في تحليل سياسات الهجرة بالمغرب، جرى تسليط الضوء على حدود النموذج الحالي لتوطين السياسات الهجرية بالمملكة، من خلال قراءة نقدية للتحولات التي رافقت تنزيل الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء على المستوى الترابي.
وتثير الورقة أسئلة جوهرية حول مدى قدرة الجماعات الترابية على الاضطلاع بأدوار متزايدة في تدبير قضايا الهجرة، في ظل تحديات ترتبط بالإمكانات البشرية، والاختصاصات القانونية والتمويل والحكامة، ما يجعل مسار التوطين، رغم التقدم المؤسساتي المسجل، تجربة ما تزال تواجه اختبارات بنيوية عميقة.
نقص الموارد
تشكل محدودية الموارد البشرية واحدة من أبرز الإشكالات التي تعيق تنزيل السياسات الهجرية على المستوى الترابي؛ فالجماعات الترابية والمؤسسات المحلية أصبحت مطالبة بتدبير ملفات ذات أبعاد اجتماعية وقانونية وإنسانية معقدة، دون أن تتوفر دائمًا على الكفاءات والأطر المتخصصة القادرة على مواكبة هذه التحولات.
ويزداد هذا التحدي تعقيدًا مع اتساع نطاق تدخل الفاعلين المحليين في مجالات متعددة، تشمل الولوج إلى الخدمات الأساسية، والإدماج الاجتماعي، ومواكبة الفئات الهشة، وتدبير التوترات المرتبطة بالتعايش داخل الفضاءات الحضرية، وهو ما يخلق فجوة واضحة بين حجم المسؤوليات المفروضة على المستوى الترابي والإمكانات البشرية المتوفرة فعليًا.
كما أن محدودية التأطير التقني والخبرة المتخصصة تجعل عددًا من المبادرات المحلية مرتبطة بجهود ظرفية أو بمشاريع محدودة زمنياً، بدل أن تتحول إلى سياسات عمومية مستقرة وقابلة للاستمرار.
غموض قانوني
تواجه الجماعات الترابية إشكالًا آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في غياب اختصاصات قانونية واضحة ومحددة في مجال تدبير ملفات الهجرة.
ورغم تنامي أدوار الفاعلين المحليين، لا تزال المنظومة القانونية لا توفر إطارًا صريحًا يحدد بدقة حدود المسؤوليات والاختصاصات.
وهذا الوضع يخلق نوعًا من الالتباس المؤسساتي، إذ تطلب من الجماعات أدوار متزايدة في مجالات الإدماج الاجتماعي والتدبير المحلي للهجرة، دون أن تمتلك دائمًا الأسس القانونية الكافية التي تسمح لها باتخاذ قرارات مستقلة أو صياغة سياسات محلية متكاملة.
كما أن غياب المرجعيات القانونية الواضحة ينعكس على قدرة المؤسسات المحلية على التخطيط طويل المدى، ويجعل تدخلاتها رهينة بالاجتهادات الإدارية أو بالتوجيهات المركزية، أكثر من اعتمادها على اختصاصات مؤطرة قانونيًا.
تبعية خارجية
تعد مسألة التمويل من أكثر الجوانب حساسية في النموذج الحالي، بالنظر إلى اعتماد عدد كبير من البرامج الترابية المتعلقة بالهجرة على الشركاء الدوليين والمؤسسات الأجنبية؛ سواءً على مستوى التمويل أو الدعم التقني والمؤسساتي.
وهذا النمط من التمويل يطرح تساؤلات متزايدة حول استقلالية القرار المحلي؛ خصوصًا عندما تصبح أولويات التدخل مرتبطة باستمرارية التمويلات الخارجية أو بأجندات الجهات الداعمة.
كما يساهم في تكريس نوع من الهشاشة المؤسساتية، لأن جزءًا من المشاريع يبقى مرتبطًا بمنطق البرامج المؤقتة أكثر من اندماجه داخل السياسات العمومية الدائمة.
وتبرز هنا معضلة أساسية تتعلق بمدى قدرة الفاعلين المحليين على صياغة أولوياتهم الترابية بشكل مستقل، بعيدًا عن الضغوط المرتبطة بمصادر التمويل أو بتوجهات الشركاء الخارجيين.
تنسيق محدود
رغم تعدد الفاعلين المتدخلين في ملف الهجرة، ما يزال التنسيق بين المؤسسات يشكل أحد أبرز مواطن الضعف، فالتداخل بين اختصاصات القطاعات الحكومية، والجماعات الترابية، والمنظمات الدولية، والفاعلين المدنيين، يؤدي أحيانًا إلى تكرار التدخلات أو بطء تنفيذ البرامج.
كما أن غياب آليات تنسيق مستقرة ودائمة بين مختلف المتدخلين يحد من فعالية التدبير الترابي، ويؤثر على قدرة المؤسسات المحلية على بناء استجابات منسجمة مع خصوصيات المجالات الترابية المختلفة.
ويجعل هذا الوضع تدبير قضايا الهجرة أكثر تعقيدًا؛ خاصة في المدن التي تعرف كثافة سكانية مرتفعة أو تستقطب أعدادًا أكبر من المهاجرين، حيث تصبح الحاجة إلى تنسيق مؤسساتي محكم أكثر إلحاحًا.
حكامة مجزأة
تكشف التجربة الحالية أن حكامة الهجرة على المستوى الترابي ما تزال تتسم بدرجة عالية من التشتت المؤسساتي، فبينما تحتفظ الدولة المركزية بالقرار الاستراتيجي، تتحمل الجماعات الترابية الجزء الأكبر من الأعباء المرتبطة بالتدبير اليومي والانعكاسات الاجتماعية للهجرة.
وينتج عن هذا التوزيع غير المتوازن للأدوار نموذج حكامة مجزأ، تتداخل فيه المسؤوليات دون وجود قيادة موحدة أو توزيع واضح للصلاحيات.
ويساهم ذلك في إنتاج تفاوتات مجالية واضحة، حيث تستفيد بعض الجهات من موارد وبرامج وشراكات أكبر، بينما تبقى مناطق أخرى أقل اندماجًا في الدينامية الترابية الجديدة.
وتؤدي هذه الفوارق إلى تكريس أشكال متفاوتة من تدبير الهجرة بين المناطق، بما يعكس وجود جغرافيا غير متكافئة للحكامة الترابية.
هشاشة مستمرة
رغم التطور المؤسساتي الذي عرفه تدبير الهجرة بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، فإن المؤشرات الحالية توحي بأن مسار توطين السياسات الهجرية ما يزال غير مكتمل من الناحية البنيوية.
واستمرار ضعف الموارد، وغموض الاختصاصات، والتبعية التمويلية، وضعف التنسيق، كلها عناصر تجعل النموذج الحالي عرضة للهشاشة.
وفي المحصلة، يبدو أن توطين السياسات الهجرية بالمغرب لم يتحول بعد إلى نموذج مستقر للحكامة المحلية، بقدر ما يمثل مسارًا قيد التشكل، تحكمه توازنات معقدة بين الدولة المركزية، والفاعلين المحليين، والشركاء الدوليين.
وهو ما يفرض إعادة التفكير في شروط بناء حكامة ترابية أكثر استقلالية وتماسكًا، قادرة على تحويل التقدم المؤسساتي إلى أثر فعلي مستدام على المستوى المحلي.


تعليقات الزوار ( 0 )