أعادت المأساة الأخيرة لوفاة المواطن المغربي عبد الرحيم فقير في إيطاليا النقاش المجتمعي والسياسي المحتدم حول واقع الهجرة في أوروبا إلى الواجهة، ملقية بالضوء على تحولات عميقة تشهدها المجتمعات الأوروبية في كيفية تعاطيها مع الأجانب وإعادة تعريف مفاهيم الانتماء والمواطنة.
ورغم أن التحقيقات القضائية الإيطالية لا تزال جارية لكشف الملابسات القانونية الكاملة للحادث، يسجل الباحث المغربي المتخصص في قضايا الهجرة، حسن بنطالب، أن هذه المأساة تتجاوز الواقعة المعزولة لتكشف عن تحولات عميقة تفصح عن مناخ محتقن وغير آمن يعيش فيه المهاجرون.
وأوضح بنطالب في مقال أبرز من خلاله قراءته التحليلية للواقعة؛ أن ما حدث يظهر تراجع الثقة في قدرة المؤسسات على توفير حماية متساوية للجميع؛ وهو المعطى الذي يزكيه أيضا الفاعل الحقوقي والنقابي المغربي المقيم بإيطاليا، عزيز قطوف.
وأبرز أن التحولات السياسية التي شهدتها إيطاليا خلال السنوات الأخيرة نقلت الهجرة من ملف يتطلب سياسات عمومية وتنظيمية إلى قضية هوية وأمن قومي.
وأردف أنه لم تعد الشعارات الداعية لإقصاء المهاجرين حكرا على أقصى اليمين، بل باتت تجد طريقها إلى شبكات التواصل الاجتماعي والخطاب السياسي العام، مما يعكس تحولا تدريجيا نحو التطبيع مع خطاب الكراهية.
ولفت إلى أن المنصات الرقمية تلعب بخوارزمياتها دورا كبيرا في تغذية هذا الاستقطاب، عبر إبراز المحتويات التي تثير الخوف وتكرس الصور النمطية، على الرغم من أن واقع الحياة اليومية بين المواطنين الإيطاليين والمهاجرين في أماكن العمل والمدارس والأحياء السكنية يقوم في الأغلب على التعايش والتفاعل الاجتماعي الهادئ.
وربط بنطالب هذه الموجة بالسياق الاقتصادي المحلي؛ حيث يساهم التضخم وتراجع القدرة الشرائية في خلق حالة من عدم اليقين.
ونبه إلى أنه مثل هذه الظروف، يستغل ملف المهاجرين كـ “كبش فداء” لتصريف الأزمات البنيوية وتوجيه النقاش العام بعيدا عن القضايا الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
وأضاف أن حالة المتوفى عبد الرحيم الفقير، الذي هاجر إلى إيطاليا في سن السابعة وتلقى تعليمه فيها، تثير إشكالية اندماج الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، والتحديات المعقدة المتعلقة بالحصول على الاعتراف الكامل بالمواطنة والانتماء.
واعتبر أن هذه القضية جددت مطالب أفراد من الجالية المغربية بضرورة وجود تفاعل أسرع وأكثر فاعلية من قبل السلطات والقنصليات المغربية في الحوادث الحساسة، تكريسا للدور الرمزي والاقتصادي المهم الذي تلعبه الجالية.
وأشار الباحث المغربي إلى أن قياس قوة الديمقراطيات الأوروبية في الوقت الراهن لا يتوقف عند حماية الحدود فحسب، بل يمتد إلى مدى قدرتها على صون كرامة جميع القاطنين على أراضيها، وضمان سيادة القانون والمساواة بعيداً عن أشكال التمييز والهوية الضيقة.




تعليقات الزوار ( 0 )