في حلقة جديدة من بودكاست “معهم حيث هم” الذي تبثه جريدة الشعاع الجديد، استضاف الإعلامي نور الدين لشهب المنسق الوطني لتيار “اليسار الجديد المتجدد“، العلمي الحروني، في حوار مطول تناول خلفيات تأسيس هذا التيار، وطبيعة الخلاف مع قيادة الحزب الاشتراكي الموحد، ورؤيته لمستقبل اليسار المغربي، كما تطرق إلى قضايا الهوية والدين والديمقراطية والانتخابات والحركات الاحتجاجية، مقدما قراءة نقدية للواقع السياسي المغربي ولأزمة اليسار بصفة خاصة.
وأكد الحروني أن إطلاق مبادرة “اليسار الجديد المتجدد” لم يكن قرارا مفاجئا أو انشقاقا تنظيميا عابرا، بل جاء نتيجة نقاشات طويلة داخل الحزب الاشتراكي الموحد سبقت مؤتمره الخامس، حيث كان جزء من المناضلين يطالب بإعادة بناء الحزب وتجديد المشروع اليساري بعد ما اعتبروه فشل تجربة الاندماجات الحزبية التي استمرت لعقدين دون أن تحقق نتائج سياسية أو انتخابية ملموسة. وأضاف أن تلك التجربة أدت، بحسب تقديره، إلى تراجع عدد المناضلين والمقرات والمنتخبين، وهو ما فرض، في نظره، مراجعة عميقة للمسار التنظيمي والفكري لليسار.
وأوضح أن الخلاف مع قيادة الحزب لم يكن مرتبطا بالرغبة في تأسيس تنظيم جديد، وإنما بطريقة تدبير المؤتمر، ورفض القيادة الاعتراف بالتيار رغم أن القانون الداخلي، حسب قوله، يقر بشرعية التيارات داخل الحزب. واتهم قيادة الحزب بإفراغ هذا المبدأ من مضمونه، وعرقلة الاعتراف بالتيار، بل واللجوء إلى إجراءات اعتبرها إقصائية في حق عدد من المناضلين والفروع، قبل أن يعلن التيار، بعد أشهر من الصراع الداخلي، مغادرة الحزب والشروع في بناء مشروع سياسي جديد يحمل اسم “اليسار الجديد المتجدد”.

ورأى الحروني أن الأزمة التي يعيشها اليسار المغربي ليست أزمة تنظيم فقط، بل أزمة فكر وهوية وعلاقة بالمجتمع، معتبرا أن اليسار فقد كثيرا من خصائصه التاريخية، ولم يعد قادرا على إنتاج قيم جديدة أو تقديم نموذج أخلاقي وسياسي يجذب الأجيال الصاعدة. وقال إن اليسار الذي نشأ في ستينيات القرن الماضي أدى أدوارا مهمة في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، غير أن التحولات التي عرفها المغرب والعالم تجاوزته، في حين بقي جزء من قياداته أسير مفاهيم وتنظيمات لم تعد قادرة على مواكبة المرحلة.
وفي هذا السياق، قدم تصورا مغايرا لما يسميه “إعادة البناء”، يقوم على مراجعة المرجعيات الفكرية والتنظيمية، والانفتاح على الحركات الاجتماعية الجديدة، وعلى الشباب، وعلى أشكال تنظيم أكثر مرونة، بدل الاقتصار على الهياكل الحزبية التقليدية. واعتبر أن اليسار ينبغي أن يعود إلى المجتمع بدل الاكتفاء بالاشتغال داخل التنظيمات المغلقة، مؤكدا أن المبادرة الجديدة تسعى إلى بناء حزب سياسي مختلف، ينطلق من المجتمع ويعيد الاعتبار للنضال الميداني.
وشكلت قضية الهوية أحد أبرز محاور الحوار، حيث دافع الحروني عن أطروحة تعتبر أن الهوية المغربية ذات أساس أمازيغي، منفتح ومتفاعل مع باقي المكونات الحضارية والثقافية التي عرفها المغرب عبر تاريخه. واعتبر أن اليسار المغربي تأخر في مراجعة موقفه من الأمازيغية، وظل متأثرا، في جانب منه، بالفكر القومي العربي الذي طبع مرحلة الستينيات والسبعينيات، داعيا إلى مصالحة حقيقية مع المكون الأمازيغي باعتباره جزءا أصيلا من الشخصية المغربية، وإلى تعميم تدريس اللغة الأمازيغية في مختلف مستويات التعليم.
وفي المقابل، شدد على أن هذه المراجعة لا تعني القطيعة مع العربية أو مع باقي المكونات الثقافية، وإنما إعادة ترتيب العلاقة بينها بما يعكس خصوصية المغرب وتاريخه، معتبرا أن مستقبل البلاد يوجد في عمقها المغاربي والإفريقي أكثر مما يوجد في استنساخ نماذج فكرية مستوردة من المشرق أو الغرب.
كما توقف الحوار عند علاقة اليسار بالدين، حيث دعا الحروني إلى الفصل بين الدين والدولة، مع التأكيد على احترام الدين الإسلامي باعتباره مكونا أساسيا للمجتمع المغربي. واعتبر أن اليسار مطالب بقراءة جديدة للدين، تنطلق من قيم الحرية والعدل والكرامة، بدل الدخول في صراع مع التدين المجتمعي، مؤكدا أن الإسلام، في نظره، لا ينبغي أن يحتكره أي تيار سياسي، وأن توظيفه في الصراع الحزبي أضر بالدين وبالسياسة معا.
وفي تقييمه للوضع السياسي المغربي، لم يخف الحروني انتقاداته للنظام الحزبي، معتبرا أن عددا من الأحزاب فقد استقلاليته وقدرته على تمثيل المجتمع، بينما يعيش اليسار، حسب تعبيره، حالة من التراجع جعلته عاجزا عن تحويل الديناميات الاحتجاجية التي عرفها المغرب، من حركة 20 فبراير إلى حراك الريف وغيرهما، إلى مشروع سياسي قادر على التأطير والتغيير. ورغم ذلك، أكد أن هذه الحركات تحمل في جوهرها مطالب يسارية مرتبطة بالعدالة الاجتماعية والكرامة والحرية، حتى وإن لم تكن مؤطرة تنظيميا من قبل أحزاب اليسار.
وبخصوص الانتخابات المقبلة، أعلن الحروني أن التيار قرر مقاطعتها، معتبرا أن شروط التنافس الديمقراطي ما تزال غير متوفرة، وأن الأولوية بالنسبة إليه هي بناء قوة سياسية جديدة قادرة على استعادة ثقة المواطنين، لا المشاركة في استحقاقات لا يرى أنها تعكس الإرادة الشعبية بشكل كامل.
وتطرق الحوار أيضا إلى قضايا الديمقراطية والملكية البرلمانية، حيث اعتبر أن المغرب في حاجة إلى تعميق الإصلاحات السياسية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإرساء ملكية برلمانية وفق المعايير الديمقراطية المتعارف عليها، إلى جانب تعزيز الجهوية والحكم الذاتي في إطار الوحدة الترابية للمملكة، التي أكد تمسكه بها، معتبرا أن الصحراء جزء من التراب المغربي.
وفي معرض حديثه عن مستقبل المشروع الجديد، نفى الحروني أن يكون مجرد انشقاق إضافي داخل اليسار، مؤكدا أن الهدف ليس تأسيس تنظيم جديد فحسب، وإنما إطلاق دينامية فكرية وسياسية تعيد الاعتبار للعمل السياسي، وتفتح المجال أمام الشباب والفاعلين المدنيين للمشاركة في بناء يسار جديد، متصالح مع المجتمع، ومع الهوية المغربية، وقادر على الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والحريات.
وفي خاتمة الحوار، وجه الحروني رسالة إلى الشباب المغربي دعاهم فيها إلى عدم الانسحاب من الشأن العام، مؤكدا أن الأزمة لا تكمن في عزوف الشباب عن السياسة، بل في غياب قنوات فعل سياسي تستوعب تطلعاتهم. كما أعرب عن تفاؤله بمستقبل المغرب، معتبرا أن المجتمع يمتلك من الحيوية ما يؤهله لإنتاج نخبة سياسية جديدة قادرة على قيادة مرحلة مختلفة، شرط أن تقوم على الجرأة في النقد، والوضوح في المشروع، والالتزام بقيم الديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
لمتابعة الحوار بالصوت والصورة يرجى الضغط على الفيديو



تعليقات الزوار ( 0 )