قبل يوم، خرج الأمين العام لحزب العدالة والتنمية السيد عبد الإله بن كيران لإبداء مواقف تنتقد بشكل واضح السياسة الخارجية المغربية تجاه القضية الفلسطينية.
الأمين العام لحزب العدالة والتنمية أدلى بكلمة بثها في الفيسبوك جعلها بمثابة رسالة إلى وزير الخارجية السيد ناصر أبو ريطة، ينتقده فيها على كلمته في أول مجلس السلام في غزة بحضور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قال فيها :”إن المغرب مستعد لقيادة برنامج لإزالة التطرف لمحاربة خطاب الكراهية وتعزيز التسامح والتعايش” واعتبر أن ذلك يضر بسمعة المغرب وصورته، ويدفع الآخرين لكي يعيبوا عليه ذلك، وأن القناعة الثابتة أن فلسطين اغتصبت من الصهاينة، وأن حركة “حماس” وغيرها هي حركات مقاومة لتحرير الأرض من المغتصب، وأنه ليس من الإنصاف وصفها بالتطرف، وأن الذي يحتاج لدروس في محاربة الكراهية، وفي تعزيز السلم والتسامح هو الطرف المغتصب لا الضحية. ابن كيران، ميز بين موقف الدولة، وبين خطاب وزير الخارجية المغربي، وقال إن حزبه معروف بمناهضة التطبيع، وأن اضطر لتفهم اتفاق التطبيع لأنه صدر عن ملك البلاد لاعتبارات دقيقة ومحسوبة ومتفهمة، وأنه لا يليق بالموقف المغربي المبالغة في الموقف بما يضر بمصالح الشعب الفلسطيني ويعرض سمعة البلد للانتقاص من لدن الغير.
السيد إدريس الأزمي، قبل الأمين العام بأيام، قال في لقاء نظمته لمؤسسة الفقيه التطواني:” في حالة تعيينه وزيرا، فإنه لن يستقبل مسؤولا صهيونيا، وأنه لو كانت لديه الإمكانية لاعتقاله لاعتقله”.
هذان التصريحان، اللذان تزامنا مع أحداث رأى قادة العدالة والتنمية أنها فرضت تصريف الموقف بهذا الوضوح، جاءت في حقيقة الأمر شهورا معدودة قبل العملية الاستحقاق الانتخابي، وجاءت أيضا بعد أن أدلى الأمين العام للحزب بتصريح سابق قال فيه إن حزبه يسعى لتصدر المرتبة الأولى في الانتخابات.
لا يهمنا هنا دوافع هذه التصريحات، وما إذا كانت لمجرد إبراء الذمة، ونصيحة وزارة الخارجية المغربية، بضرورة الانضباط للموقف العام المبدئي الذي قرره الملك غداة التوقيع على الاتفاق مع تل أبيب وواشنطن، والذي يضمن التوازن بين خدمة القضية الوطنية دون التفريط في الحقوق والثوابت الفلسطينية، والتحذير من السير بالسياسة الخارجية إلى أفق بعيد من عرض الخدمات على واشنطن أو كانت هذه التصريحات بقصد مزيد من توضيح الموقف المبدئي للحزب وتصحيح صورته لدى الرأي العام، بعد أن تضررت صورة الحزب بتوقيع أمينه العام السيد سعد الدين العثماني على اتفاق التطبيع. فما يهمنا شيء آخر، مرتبط بحدود التناغم بين الحزب والدولة على هذا المستوى، وما إذا كان الحزب مستعدا لكي يتحمل استحقاقات السياسة الخارجية للمغرب، في حال تصدره للمشهد السياسي.
بعض الباحثين في القانون الدستوري يجادلون في موقع السياسة الخارجية ضمن الصلاحيات الدستورية، وهل هي صلاحية حصرية للملك، أم أنها صارت كذلك بمقتضى الديناميات السياسية، ومركزية الحكم في البناء الدستوري والمؤسساتي.
لا يلعب العدالة والتنمية على هذا الخلاف في الفقه الدستوري فضلا عن أن يستثمره، بل لا يجادل في أن السياسة الخارجية للمغرب هي شأن حصري للملك، وحتى في قضية التطبيع، هناك صعوبة كبيرة في فهم موقف العدالة والتنمية. فمن جهة يرفض التطبيع، ويدعم حركات المقاومة بوصفها حركات تحرير تدافع عن ثوابت الشعب الفلسطيني، ومن جهة ثانية، فإنه يعتبر التطبيع سياسة للدولة، وأنه يتفهمها ولا يريد أن يشتبك معها، لكنه من جهة ثالثة، على الأقل، كما ظهر في تصريحات الأمين العام للحزب الأخيرة، يحاول أن يخرج من حرج الموقف من خلال التمييز بين سياسة الملك، التي يضعها في دائرة التفهم وعدم الاعتراض، وسياسة وزير الخارجية، التي يُجَوز لنفسه نقدها ومخاطبة الوزير بشأنها.
النخب السياسية، والرأي العام، يفهمون على حد سواء، بأن وزير الخارجية لا يتصرف من تلقاء نفسه، وأنه يطبق سياسة الملك، وهو بنفسه، لا ينسب شيئا لنفسه، وإنما ينسبها لتعليمات الملك. ومع ذلك، فإن الحزب يحاول أن ينتج هذه الازدواجية من خلال مخاطبة وزير الخارجية حتى يخرج من الضيق، وحتى لا يجد نفسه في مواجهة مع سياسة الملك، فهذا النوع من الخطاب الذي يوجه فيه النصح للملك عبر نقد سياسة وزير خارجيته، ليس جديدا، بل هو مألوف في خطاب المعارضة السياسية منذ بداية الاستقلال، ولعل حزب الاستقلال، وتحديدا الزعيم علال الفاسي هو الذي أبدع مفرداته، واليوم لا يفعل العدالة والتنمية سوى عادة إنتاجه.
لكن، إذا كان هذا الخيار يجنب الضيق، ويعطي للحزب سعة لتوجيه الخطاب للملك بشكل غير مباشر، فإنه لا يجنبه ضيق السؤال المرتبط بمستقبله السياسي، وهل هو جاهز للتلاؤم مع استحقاقات السياسة الخارجية للمغرب في حال تصدره الانتخابات، أم أن الخيار هو تجنب أي موقع حكومي، يوقعه في حرج عدم التوافق مع السياسة الخارجية المغربية اتجاه القضية الفلسطينية.
المغرب على مستوى سياسته الخارجية لخدمة قضيته الوطنية، يواجه مرحلة حساسة، فهو من جهة يشارك برعاية أمريكية في مشاورات الحكم الذاتي لطي ملف الصحراء وفقا لقرار مجلس الأمن 2797، الذي يقرر أن الحل سيكون وفقا لمقترحه، لكنه في نفس الوقت، يباشر محادثات أكثر تعقيدا وحساسية على مستوى مجلس السلام، ودور المغرب في ضبط الأمن في قطاع غزة، من خلال ضباطه في الجيش والأمن الذين تم تعيين وجودهم في البؤرة الأكثر حساسية في قطاع غزة، أي خان يونس، موطن قيادة حماس.
من حق أي حزب سياسي أن يحلم بتصدر المشهد السياسي ويجند موارده لتحقيق هذا الهدف، ومن حقه أن يحتفظ بمواقف مبدئية إزاء القضية الفلسطينية، لكن، بالنسبة إلى الرأي العام، فمن حقه أن يعرف الكيفية التي سيوازن فيها الحزب بين موقفه وبين استحقاقات السياسة الخارجية للدولة المغربية، وكيف سيكون خطاب رئيس الحكومة الفائز بالانتخابات، هل سيعارض موقف الدولة، أم سينتج خطاب الفهم والتفهم، ويكرس واقع دولة تقوم باختصاصها، ورئيس حكومة، يقبل مخرجات هذه الاختصاصات رسميا، ويعارضها شعبيا.
في تقديري، ينبغي هنا أن نفصل المبدأ العقائدي عن السياسة بمشرط طبي دقيق، فإذا كان من حق العدالة والتنمية أن يحمل قناعاته المبدئية والعقائدية، وكان في واقع الأمر يقر بأن السياسة الخارجية هي اختصاص ملكي، وأن دور الحكومة هو مساندة الملك والدولة، فإنه يضعه من الناحية المنطقية نفسه أمام تحديين بهذا الخصوص، إما التفكير بجدية في الدخول للانتخابات بنية عدم تصدر المشهد السياسي، وفي هذه الحالة، سيخرج منتصرا لقناعاته العقائدية، محافظا على قواعده التقليدية، غير ملزم ضرورة بإحراج الدولة من موقع مؤسساتي، مع حرية متاحة في الفضاء المدني، وإما إحداث تغيير جوهري في العلاقة بين العقائدية والاستحقاق السياسي، وذلك يعني ترك كل التصريحات التي تنتمي إلى المرحلة المعيارية، والانخراط في منطق الدولة وتدعيم رؤيتها الاستراتيجية.






تعليقات الزوار ( 0 )