كشف تقرير دولي حديث حول واقع الحرية الدينية في المغرب عن استمرار الضغوط الاجتماعية والقانونية والأمنية التي يواجهها المواطنون المغاربة المسيحيون، خصوصا الذين اعتنقوا المسيحية بعد نشأتهم في أسر مسلمة، مسجلا ارتفاعا ملحوظا في مؤشرات العنف والمراقبة خلال السنة الماضية.
وحسب “الملف القطري للمغرب” ضمن تصنيف World Watch List 2026 الصادر عن منظمة “أبواب مفتوحة”، فإن المملكة حلّت في المرتبة 23 عالميا من حيث مستوى اضطهاد المسيحيين، بمجموع نقاط بلغ 75 من أصل 100، في مؤشر يعكس شدة الضغوط في مختلف مناحي الحياة الخاصة والعائلية والمجتمعية والرسمية.
ويقدّر التقرير عدد المسيحيين في المغرب بنحو 37 ألف شخص فقط من أصل أكثر من 38 مليون نسمة، أي ما يعادل حوالي 0.1 في المائة من السكان، في بلد يشكل فيه المسلمون ما يقارب 99.7 في المائة من المجتمع. وتضم هذه الفئة مسيحيين أجانب، أغلبهم من إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب آلاف المغاربة الذين غيروا ديانتهم.
غير أن التقرير يشير إلى أن الفئة الأخيرة هي الأكثر عرضة للضغوط والانتهاكات، حيث تواجه عزلا أسريا قاسيا، والطرد من المنازل، وقطع الدعم المالي، بل وأحياناً اعتداءات جسدية ونفسية، في ظل اعتبار التحول الديني “خروجا عن الهوية المغربية التقليدية.
ومن أبرز الإشكالات التي يسلط التقرير الضوء عليها استمرار العمل بمقتضيات في القانون الجنائي تجرم ما يعتبر “زعزعة عقيدة مسلم”، وهو ما يجعل أي نشاط تبشيري أو حتى الحديث العلني عن المسيحية عرضة للمساءلة القانونية.
ويؤكد التقرير أن هذا النص القانوني يضع المغاربة المسيحيين، وحتى الأجانب منهم، تحت خطر الاعتقال أو الاستجواب، ويغذي مناخ الخوف والرقابة الذاتية.
وسجّل التقرير خلال فترة الرصد ارتفاعا في وتيرة استدعاء قادة مسيحيين مغاربة للاستجواب من طرف الأجهزة الأمنية، إضافة إلى إغلاق تجمعات دينية منزلية، خاصة وسط الجاليات الإفريقية جنوب الصحراء.
وغالبا ما تضطر هذه الكنائس غير الرسمية إلى تغيير أماكنها بشكل متكرر بسبب شكاوى الجيران أو تدخلات الشرطة أو قرارات الطرد من طرف المُلّاك.
ويشير التقرير إلى أن هذه الممارسات خلقت “تأثيرا رادعا” داخل المجتمع المسيحي الصغير، ودفعته إلى العمل في الخفاء وتجنب أي ظهور علني.
ووضع التقرير النساء المسيحيات، خصوصا المتحولات من الإسلام، في خانة الفئات الأكثر هشاشة، حيث يواجهن مخاطر الزواج القسري، والطلاق القهري، والحرمان من الأطفال، إضافة إلى الإقامة الجبرية داخل المنازل في بعض الحالات. كما أشار إلى استخدام العنف النفسي والتهديد بالفضيحة كوسائل للضغط الديني داخل الأسر المحافظة.
أما الرجال، فيواجهون بدورهم ضغوطا اقتصادية واجتماعية كبيرة، تصل إلى فقدان العمل أو الحرمان من الإرث، إلى جانب الاستجوابات الأمنية في حال الاشتباه في نشاط ديني منظم.
ولفت التقرير إلى أن المغرب صادق على عدة اتفاقيات دولية لحماية الحريات الأساسية، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية واتفاقية مناهضة التعذيب واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، غير أنه، بحسب التقرير ، لا يفي بشكل كامل بالتزاماته في ما يتعلق بحرية المعتقد والمساواة أمام القانون.
كما أشار إلى أن الأقليات الدينية الأخرى، مثل الشيعة والبهائيين واللادينيين، تواجه بدورها قيودا رسمية وضغوطا اجتماعية تحول دون ممارسة معتقداتها بحرية.
ويخلص التقرير إلى وجود مفارقة واضحة بين الصورة التي يروج لها المغرب كبلد للتسامح الديني والانفتاح الثقافي، وبين الواقع اليومي الذي تعيشه الأقليات الدينية، خاصة المسيحيين المغاربة، في ظل قوانين مقيدة، ورقابة أمنية، وضغوط اجتماعية قوية.
وبينما يشيد التقرير باستقرار المغرب السياسي وجهوده في محاربة التطرف، فإنه يدعو في المقابل إلى مراجعة الإطار القانوني المتعلق بحرية المعتقد، وضمان حماية فعلية للأقليات الدينية، بما ينسجم مع الدستور المغربي والمواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة.



تعليقات الزوار ( 0 )