سلطت صحيفة “نيويورك تايمز“ (The New York Times) الأمريكية الضوء على التحول اللافت في مقاربة السياسة الخارجية الأمريكية في ظل إدارة دونالد ترامب، خاصة بعد بروز الدور المتصاعد لوزير الخارجية ماركو روبيو في صياغة الرؤية الجديدة للحرب والتدخلات العسكرية.
ويبرز التقرير كيف انتقلت واشنطن من منطق “تغيير الأنظمة” الذي ساد خلال حقبة المحافظين الجدد إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على استخدام القوة العسكرية والاقتصادية لإجبار الخصوم على الامتثال، دون السعي بالضرورة إلى إسقاط حكوماتهم.
وبحسب التقرير، فإن هذه الاستراتيجية الجديدة يمكن وصفها بعقيدة “التدمير ثم التفاوض”، وهي مقاربة تمزج بين النزعة التدخلية التقليدية للسياسة الأمريكية وبين الطابع الصفقاتي الذي طبع نهج ترامب السياسي، ويعكس هذا التحول محاولة لإعادة رسم ملامح النفوذ الأمريكي في عالم يتجه نحو تعددية قطبية، حيث تصبح الهيمنة العسكرية وسيلة لإجبار الخصوم على الدخول في ترتيبات سياسية واقتصادية تخدم المصالح الأمريكية.
-صعود روبيو
يرى التقرير أن صعود ماركو روبيو داخل إدارة ترامب يمثل تحولا مهما في التوازنات السياسية داخل البيت الأبيض، فالرجل الذي كان ينظر إليه سابقا كأحد أبرز صقور السياسة الخارجية الأمريكية، ظل طوال مسيرته السياسية يدعو إلى إسقاط الأنظمة المعادية للولايات المتحدة.
وتكمن المفارقة في أن الكثير من المراقبين كانوا يشككون في قدرته على الانسجام مع دونالد ترامب، الذي خاض حملته الانتخابية أساسا على وعد إنهاء الحروب الأمريكية وتقليص التدخلات العسكرية الخارجية، ومع ذلك، سرعان ما أصبح روبيو أحد أبرز مهندسي التدخلات العسكرية التي شهدتها إدارة ترامب في عدة مناطق من العالم.
ويشير التقرير إلى أن روبيو يقود حاليا استراتيجية أمريكية تهدف إلى إعادة تشكيل مواقف حكومات عدة دول، من بينها إيران وفنزويلا وكوبا، وذلك من خلال الضغط العسكري والاقتصادي المكثف، بدل السعي المباشر إلى إسقاط تلك الأنظمة.
-عقيدة جديدة
تكشف القراءة التحليلية للتقرير أن إدارة ترامب لا تسعى إلى إعادة إنتاج سياسة المحافظين الجدد التي سادت خلال إدارة جورج دبليو بوش، والتي كانت تقوم على نشر الديمقراطية بالقوة العسكرية وإعادة بناء الدول بعد إسقاط أنظمتها.
وبدل ذلك، تعتمد الإدارة الحالية مقاربة مختلفة تقوم على إجبار الأنظمة المنافسة على الامتثال للمصالح الأمريكية دون التدخل المباشر في إعادة صياغة أنظمتها السياسية، ويصف بعض المحللين هذه السياسة بأنها مزيج بين الفكر المحافظ الجديد والنهج البراغماتي الذي يتبناه ترامب.
وترى الباحثة في مركز “ Stimson Center“، إيما أشفورد، أن السياسة الخارجية لدى روبيو لا تتمحور حول تغيير الأنظمة بقدر ما تركز على إظهار القوة الأمريكية وإبقاء الدول الأخرى في حالة خوف واحترام تجاه واشنطن.
وتضيف أن الهدف الرئيسي يتمثل في الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي وإجبار الدول المنافسة على الاعتراف بهذه الهيمنة، حتى وإن بقيت أنظمتها السياسية على حالها.
-رمزية “تشيانغ”
من بين أبرز العبارات التي أثارت الانتباه في تصريحات روبيو، تلك التي قال فيها إن الولايات المتحدة ستطلق “تشيانغ” ضد خصومها خلال ساعات أو أيام، في إشارة رمزية أثارت الكثير من التساؤلات.
ويربط التقرير هذه العبارة بإشارة تاريخية إلى القائد الصيني القومي تشيانغ كاي شيك، الذي دعمته الولايات المتحدة في صراعه ضد الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ خلال الحرب الأهلية الصينية.
كما يعود أصل هذه العبارة إلى مزحة سياسية داخلية تعود إلى الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب، الذي كان يستخدمها بشكل ساخر خلال مباريات التنس، قبل أن تتحول لاحقًا إلى رمز داخل بعض الأوساط السياسية الأمريكية.
ويشير التقرير إلى أن هذا الرمز يعكس الخلفية الفكرية التي ينطلق منها روبيو، والتي تتقاطع مع إرث المحافظين الجدد الذين برزوا بقوة خلال الحربين الأمريكيتين في العراق وأفغانستان بعد هجمات 11 شتنبر.
-شراكة إسرائيل
يبرز التقرير أيضًا الدور المحوري للتحالف الأمريكي الإسرائيلي في هذه الاستراتيجية الجديدة، خاصة فيما يتعلق بالمواجهة مع إيران، حيث عززت إدارة ترامب شراكتها العسكرية مع إسرائيل، وشاركت معها في عمليات عسكرية استهدفت مواقع داخل إيران.
وبحسب التقرير، فإن الولايات المتحدة نفذت خلال العام الأخير عمليات عسكرية في عدة دول، في إطار ما يعتبره البيت الأبيض سياسة ردع ضد الأنظمة التي يرى أنها تهدد المصالح الأمريكية.
ويرى السفير الإسرائيلي السابق لدى واشنطن مايكل أورين أن العلاقة بين ترامب وروبيو تقوم على شراكة سياسية حقيقية، وليس على محاولة أحدهما جر الآخر إلى الحروب.
ويضيف أن الرئيس الأمريكي يسعى إلى ترك بصمة تاريخية في مجال السياسة الخارجية، وهو ما يفسر تبنيه لسياسة خارجية نشطة بدل الانعزال الذي كان يتوقعه البعض.
-بين الحرب والصفقة
رغم التصعيد العسكري في بعض الملفات، يؤكد التقرير أن إدارة ترامب لا تزال منفتحة على عقد صفقات مع الأنظمة التي تستهدفها بالضغط العسكري والاقتصادي.
وعلى سبيل المثال، يواصل روبيو فرض ضغوط اقتصادية قوية على كوبا، بما في ذلك عرقلة إمدادات النفط إليها، لكنه في الوقت نفسه يجري مفاوضات غير معلنة لفتح الاقتصاد الكوبي أمام الاستثمارات الأجنبية.
كما يعمل على تنسيق الاتصالات مع شخصيات نافذة في فنزويلا، مثلما هو الأمر مع راؤول غييرمو رودريغيز كاسترو، حفيد الرئيس الكوبي السابق راؤول كاسترو (شقيق الزعيم الكوبي فيدل كاسترو)، رغم مواقفه السابقة الداعمة للمعارضة الديمقراطية في البلاد.
وأما فيما يتعلق بإيران، فقد بدت مواقف الإدارة الأمريكية متناقضة إلى حد ما، إذ تتراوح بين الدعوة إلى إضعاف النظام الإيراني وبين الإبقاء على إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي مع قياداته.
-رهانات إيران
يشير التقرير إلى أن الحرب مع إيران قد تشكل الاختبار الأكبر لهذه الاستراتيجية الجديدة، فنجاحها أو فشلها قد يحدد ليس فقط مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية، بل أيضًا الإرث السياسي لكل من دونالد ترامب وماركو روبيو.
ويرى بعض المحللين أن الاعتماد على الضربات الجوية وحدها لإحداث تغيير سياسي داخل الدول المستهدفة قد يكون رهانا محفوفا بالمخاطر، خاصة في ظل التجارب السابقة التي أثبتت محدودية قدرة القوة العسكرية على إعادة تشكيل الأنظمة السياسية.
وفي هذا السياق، يحذر الباحث في معهد “Cato Institute“، جاستن لوغان، من الاعتقاد بأن الضربات الجوية الدقيقة يمكن أن تغير جذريا بنية الأنظمة السياسية في الدول الأخرى.
ويؤكد أن الولايات المتحدة سبق أن حاولت تحقيق هذا الهدف مرات عديدة خلال العقود الماضية، لكنها كانت تضطر في كل مرة إلى إعادة اكتشاف حدود القوة العسكرية في تغيير الواقع السياسي للدول المستهدفة.
وتضع هذه المقاربة الجديدة للسياسة الخارجية الأمريكية العالم أمام معادلة معقدة تجمع بين القوة العسكرية الصلبة والدبلوماسية الصفقاتية، في محاولة لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية دون الانزلاق إلى حروب طويلة الأمد.




تعليقات الزوار ( 0 )