تتداخل في النظام السياسي الأمريكي اعتبارات القانون والدستور مع رهانات القوة والتموقع الدولي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بقرارات الحرب والتدخل العسكري، ففي لحظات التصعيد، تتحول صلاحيات الرئيس من أداة تنفيذية إلى مجال سجال دستوري وسياسي؛ يعكس توازنات دقيقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، ويكشف حدود السلطة في سياق دولي معقد.
وفي هذا الإطار، تبرز الأزمات العسكرية كاختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسات الأمريكية على ضبط القرار الاستراتيجي، خاصة عندما تتزامن مع ضغوط داخلية مرتبطة بالانتخابات والرأي العام، إذ لا تقاس قرارات الحرب فقط بنتائجها الميدانية، بل أيضًا بمدى انسجامها مع النصوص الدستورية وتأثيرها على التوازنات السياسية الداخلية.
❖ قيود دستورية
يشير الدكتور عبد النبي صبري، أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية بجامعة محمد الخامس بالرباط، إلى أن تصاعد العمليات العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط ترافق مع خطاب إعلامي متصاعد للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي تحدث عن تحقيق “نصر حاسم” ضد القدرات الإيرانية، بما في ذلك منصات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، مع تأكيده على أن المجال الجوي الإيراني أصبح مفتوحًا أمام القوات الأمريكية والإسرائيلية.
وأبرز صبري في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن هذا الخطاب التصعيدي يصطدم بواقع ميداني أكثر تعقيدًا، خاصة في ظل طبيعة المسرح العملياتي في مضيق هرمز، الذي يظل أحد أكثر المناطق حساسية واستراتيجية في العالم، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين التصريحات السياسية والوقائع العسكرية على الأرض.
ولفت إلى أنه في خضم هذه التطورات، برز تحول لافت تمثل في استقالة جو كينت، مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب، احتجاجًا على قرار الحرب، حيث اعتبر أن إيران لم تكن تمثل تهديدًا وشيكًا للأمن القومي الأمريكي، وأن القرار جاء تحت تأثير ضغوط خارجية، خاصة من قبل اللوبيات الداعمة لإسرائيل.
وأردف أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية أنه في المقابل، دافعت مديرة المخابرات الوطنية تولسي غابارد عن القرار، مؤكدة أن صلاحيات الرئيس كقائد أعلى للقوات المسلحة تخوله تحديد طبيعة التهديدات.
❖ مأزق قانوني
يؤكد صبري على أن هذه المعطيات وضعت الإدارة الأمريكية أمام معضلة دستورية حقيقية، تتعلق بقانون صلاحيات الحرب الصادر سنة 1973، والذي يحدد سقف تدخل الرئيس العسكري دون موافقة الكونغرس في مدة لا تتجاوز ستين يومًا.
وأشار أستاذ القانون العام والعلاقات الدولية، إلى أن العمليات العسكرية انطلقت في أواخر فبراير الماضي، ما يجعل الأجل القانوني يوشك على الانتهاء مع نهاية أبريل الجاري.
واستطرد أن استمرار العمليات يتطلب تفويضًا صريحًا من الكونغرس، ليس فقط لضمان الشرعية الدستورية، بل أيضًا لتأمين الغطاء المالي اللازم لتمويل العمليات العسكرية، وهو ما يضع الإدارة أمام اختبار مزدوج بين الامتثال للنصوص القانونية والحفاظ على زخم العمليات العسكرية.
وأوضح أنه في محاولة لتجاوز هذا الإشكال، يبرز توجه داخل الدائرة المقربة من الرئيس لإعادة توصيف النزاع باعتباره “عملية عسكرية محدودة” بدل “حرب” بالمعنى الدستوري.
وأبرز أن هذا الطرح عزز موقف رئيس مجلس النواب مايك جونسون، الذي أشار إلى أن المهمة الأساسية، والمتمثلة في تدمير الصواريخ الباليستية الإيرانية، أوشكت على الاكتمال، في تلميح إلى إمكانية إنهاء العمليات قبل انتهاء المهلة القانونية.
❖ ضغط انتخابي
يرى الدكتور صبري أن التحدي الدستوري لا ينفصل عن ضغط سياسي متزايد تفرضه الانتخابات النصفية المقبلة، والتي تشكل عاملاً حاسمًا في حسابات الرئيس والحزب الجمهوري.
ونبه إلى أن استمرار الحرب قد يتحول إلى عبء انتخابي، خاصة في ظل تباين مواقف القاعدة الجمهورية، وتصاعد الدعوات إلى تقليص الإنفاق العسكري وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية.
وفي هذا السياق، ينقل صبري عن الباحث لينكولن ميتشل أن كلفة الحرب؛ سواءً من الناحية المالية أو السياسية، قد تؤثر سلبًا على حظوظ الجمهوريين في الانتخابات، خصوصًا مع تنامي الانتقادات داخل الرأي العام الأمريكي.
وأوضح أن استطلاعات الرأي تكشف عن تحول ملموس في المزاج العام، حيث يرى 59% من الأمريكيين أن الإجراءات العسكرية ضد إيران كانت مفرطة.
وأضاف أن إغلاق مضيق هرمز؛ سواءً بشكل فعلي أو رمزي، ساهم في ارتفاع أسعار النفط، ما انعكس بدوره على معدلات التضخم، ليصبح البعد الاقتصادي أحد أبرز محددات تقييم الأداء الحكومي في هذا الملف.
❖ خيارات محتملة
في ظل هذا التداخل بين القيود الدستورية والضغوط السياسية، يطرح الدكتور صبري إشكالية مركزية تتعلق بكيفية موازنة الرئيس ترامب بين احترام المهلة القانونية المرتبطة بصلاحيات الحرب، وبين تداعيات الانتخابات النصفية التي قد تفرز أغلبية ديمقراطية قادرة على فتح تحقيقات برلمانية بشأن مشروعية الحرب.
وأشار إلى احتمالين رئيسيين في هذا السياق؛ يتمثل الأول في إعلان نصر مبكر، حيث قد يلجأ الرئيس إلى الإعلان عن تحقيق أهداف العملية العسكرية، حتى وإن كان ذلك بشكل جزئي أو رمزي، مع سحب القوات وتحميل إيران مسؤولية أي تصعيد لاحق، تفاديًا للوقوع في مخالفة دستورية أو تكبد خسائر انتخابية.
وأردف أن السيناريو الثاني، يقوم على التمديد غير المباشر للعمليات العسكرية، من خلال الحفاظ على حضور ميداني محدود أو عبر الاعتماد على شركاء إقليميين، مع تقديم تأويل قانوني يعتبر أن هذه العمليات لا ترقى إلى مستوى “الحرب” التي تستوجب تفويضًا من الكونغرس.
ولفت إلى أن إدارة هذه المرحلة تظل رهينة بقدرة الرئيس على التوفيق بين متطلبات الدستور وإكراهات السياسة، في سياق تتقاطع فيه رهانات الشرعية القانونية مع حسابات الربح والخسارة الانتخابية.
وأبرز أن التوازن بين سلطة الرئيس في توجيه السياسة الخارجية، وسلطة الكونغرس في مراقبة قرار الحرب، يظل المحدد الأساسي لمسار هذه الأزمة في المدى القريب.




تعليقات الزوار ( 0 )