تتكشف حقيقة السلطة في لحظات الانكسار الكبرى حيث تنهار المباني أو تغمر المياه الشوارع، وتتبخر الخطابات لتظهر الأفعال الحقيقية، ففي فاجعة انهيار عمارتين بفاس والفيضانات التي اجتاحت آسفي لم تكن مجرد أحداث عرضية بل لحظات صارخة تكشف الفارق بين الدولة كجهاز فاعل، والحكومة المحلية المنتخبة بوصفها سلطة شكلية عاجزة عن الوقاية والتخطيط.
فحين تقع الكارثة تتقدم الدولة عبر أجهزتها المركزية والمحلية بكل ثقلها محمولة بكفاءة خبرائها ومنطق الانضباط والتدرج الوظيفي، ليس بوصفها شعارا أو واجهة رمزية بل كأجهزة تتحرك في الميدان مباشرة، فالسلطات المحلية المعينة تعمل على التنسيق وإدارة الموارد والأمن الوطني يفرض النظام ويحمي الفضاء العام، والأجهزة الاستخباراتية تتولى الرصد والتتبع وتحليل المخاطر، والوقاية المدنية تنزل إلى الأماكن الأكثر خطورة لتنجز عمليات إنقاذ دقيقة، والقوات المساعدة تتحرك لضبط الانضباط وتوجيه جهود المواطنين والمجتمع المدني، وهذا الحضور الميداني ليس صدفة بل نتاج هياكل دولة متينة تقوم على التكوين والمسؤولية والمحاسبة حيث الخطأ لا يغتفر.
فالأجهزة الأمنية تتحمل عبء القرارات والسياسات التي فشلت في الحماية والوقاية قبل وقوع الكارثة، وحين يحتج المواطن بعد الانهيار أو الفيضانات لا يتجه إلى مكاتب المنتخبين ولا إلى قاعات المجالس، بل يواجه رجل الأمن في الشارع، وهنا تتضح المأساة، حيث الأمن يحول إلى شماعة للسياسات الفاشلة ويصبح المسؤول المباشر عن نتائج أخطاء لم يرتكبها، في حين يظل صانعو السياسات بعيدين عن المحاسبة الواقعية، وبهذا يدفع الأمن ثمن غياب التخطيط والتراخي في المراقبة وعدم تحديث البنية التحتية من قبل المنتخبين.
فالعمل الأمني في هذه اللحظات يتجاوز حماية الأرواح فقط، فهو يشمل إدارة الغضب الاجتماعي وحماية حق الاحتجاج المشروع وضبط الشارع لضمان ألا يتحول الألم إلى فوضى، وهذا الدور المركب يتطلب قدرة على اتخاذ القرارات تحت الضغط النفسي والجسدي، وحسا عميقا بالمسؤولية ومهارة في الموازنة بين الأمن والحريات وبين التدخل والاحترام، حيث يختبر معنى الواجب بكل دقة، فالدولة تعرف من طريقة تعاملها مع لحظات الغضب الجماعي، وفي هذه اللحظات يظهر الأمن كواجهة الدولة الفعلية التي لا تفرغ واجبها مهما كانت الظروف صعبة.
وفي المقابل يبدو الدور الحكومي المحلي ضعيفا ومؤجلا، فالجماعات الترابية والمنتخبون الذين كان يفترض أن يمنعوا الكارثة عبر المراقبة والتخطيط، يظهرون بعد وقوعها كتعليق هامشي على حدث صنعوه بالإهمال أو التعقيدات البيروقراطية، فالانهيارات ليست مشكلة أمنية بحد ذاتها والفيضانات ليست قضية ضبط شارع لكنها تلقى في النهاية على عاتق الأجهزة الأمنية التي تضطر لإدارة نتائج السياسات والإهمال.
ذلك أن ن تعقيد مساطر التعمير والتساهل في مراقبة البناء وإهمال شبكات التطهير كلها قرارات سياسية محلية، لكن حين تتحول هذه القرارات إلى موت وخراب يضطر الأمن لإعادة ترتيب المشهد وتنظيم الشارع وإنقاذ الأرواح واحتواء غضب المواطنين، وهنا تتجلى أسئلة جوهرية حول العدالة في توزيع المسؤولية، لماذا يتحمل الأمن ثمن أخطاء الآخرين بينما ينجو صانعو السياسات من المحاسبة؟ كأن السلطة التي تفلت من المساءلة تترك غيرها يدفع الثمن نيابة عنها.
إن وسائل التواصل الاجتماعي كشفت الواقع بشكل مباشر، فصور رجال الإنقاذ تحت الأنقاض وفي المياه وشهادات المواطنين المباشرة، وبثوث الأحداث في الوقت الفعلي أظهرت بوضوح الفرق بين من يشتغل ومن يقرر وبين من يحمي الأرواح ومن يفشل في الوقاية، فالمواطن يشهد على الأمن وهو يعمل على حماية حياة الناس وضبط الغضب والفوضى، بينما يرى غياب الحكومة والمنتخبين أمام تحديات التخطيط والحماية، وهذا الوعي الجماعي يعزز قناعة بأن الدولة من خلال أجهزتها الأمنية والميدانية هي العمود الفقري للاستقرار، بينما الحكومة والجماعات الترابية تتحول إلى الحلقة الأضعف ويصبح الأمن الضحية الميدانية للسياسات الفاشلة.
إن الدولة لا تترك مواطنيها في الفوضى حتى حين تخذلهم السياسة، فهؤلاء يقاسون الدور بعدد الأرواح التي أنقذوها وعدد الشوارع التي لم تنفلت وبقدرتهم على الوقوف بين الغضب والانهيار، وليس بعدد البيانات الرسمية أو البلاغات الإعلامية، فحين تفشل السياسة لا يبقى في الميدان سوى من يعرف معنى الواجب.
إن فاس وآسفي ليستا مجرد مدينتين منكوبتين بل شاهدتان على معادلة مختلة بين حكومة محلية تنتج الفشل وأجهزة أمنية تتحمل تبعاته وتتحول إلى شماعة، وتظل الدولة عبر أجهزتها المركزية والمحلية صمام الأمان الأخير، فهي من تحمي الأرواح وتضبط الغضب وتبقي المجتمع من الانهيار، وبين هذا وذاك يدفع المواطن الثمن حتى تعاد الموازين بين المسؤولية والفعل وبين السلطة والواجب ليبقى الأمن مدافعا عن حياة الناس وليس مجرد شماعة للفشل السياسي.






تعليقات الزوار ( 0 )