في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعرفها المنطقة، يعود النقاش حول موقع المغرب في خريطة الاستقطابات الإقليمية، خصوصا في ما يتعلق بعلاقته بإيران وبمشروع “تصدير الثورة” الذي طبع مرحلة ما بعد 1979.
وفي هذا السياق، يقدم المحلل السياسي والاستراتيجي د. الحسين بكار السباعي قراءة تحليلية تربط بين مؤسسة إمارة المؤمنين باعتبارها ركيزة الاستقرار الروحي بالمغرب، وبين مفهوم “ولاية الفقيه” الذي أفرزته الثورة الإيرانية.
ويرى السباعي أن موقف الملك الراحل الحسن الثاني من الثورة الإيرانية لم يكن مجرد رد فعل دبلوماسي عابر، بل قراءة سياسية مبكرة لمآلات مشروع يقوم، بحسب توصيفه، على تجاوز الدولة الوطنية لصالح مرجعية دينية عابرة للحدود.
ويشير إلى أن المغرب، في تلك اللحظة التاريخية، أدرك أن حماية الاستقرار لا ترتبط فقط بالمعادلات العسكرية، بل كذلك بتحصين المرجعية الدينية والهوية الوطنية.
ويستحضر التحليل السياق الذي أفرز الثورة الإيرانية، معتبرا أن التحولات الاجتماعية والاختلالات البنيوية التي عرفها المجتمع الإيراني آنذاك ساهمت في صعود خطاب ديني سياسي توج بإرساء مفهوم “ولاية الفقيه”، الذي يمنح المرجع الديني سلطة سياسية عليا.

ويرى الكاتب أن هذا التحول كان له امتداد إقليمي عبر خطاب “تصدير الثورة”، وما رافقه من توترات في عدد من الدول العربية.
في المقابل، يؤكد السباعي أن المغرب يمتلك خصوصية دينية ومذهبية متجذرة، قائمة على إمارة المؤمنين، والمذهب المالكي، والعقيدة الأشعرية، والتصوف السني المعتدل. ويعتبر أن هذا التراكم التاريخي شكل “حصانة وجدانية” حالت دون أي اختراق مذهبي واسع النطاق.
ويذهب التحليل إلى أن الحديث عن اختراق شيعي للمغرب يظل، في تقديره، مبالغا فيه بالنظر إلى تماسك البنية الدينية الوطنية. غير أنه لا يستبعد وجود نقاشات فكرية أو تعاطفات ظرفية مرتبطة بسياقات سياسية إقليمية، داعيا إلى التمييز بين حرية التعبير والانخراط الواعي في حسابات جيوسياسية معقدة.
ويضع السباعي النقاش ضمن سياق أوسع عنوانه “البراغماتية السياسية”، حيث لم تعد العلاقات الدولية تبنى على الشعارات، بل على المصالح والسيادة.
ومن هذا المنطلق، يرى أن المغرب يتعامل مع محيطه الإقليمي وفق مقاربة تحافظ على ثوابته، وتنسجم مع تحالفاته، خصوصا في الفضاء العربي والخليجي.
كما يشير إلى أن التوترات بين الرباط وطهران في محطات سابقة ارتبطت، وفق الموقف المغربي المعلن، بملفات تمس الوحدة الترابية، ما جعل البعد الجيوسياسي يتقاطع مع البعد العقدي في قراءة العلاقة بين البلدين.
ويخلص التحليل إلى أن تحصين الحقل الديني بالمغرب، عبر مؤسسة المجلس العلمي الأعلى وإعادة هيكلة تدبير الشأن الديني، يعكس وعيا رسميا بأهمية الأمن الروحي كجزء من الأمن القومي.
ويرى أن هذا النهج يشكل امتدادا لسياسة استباقية بدأت منذ عقود، هدفها حماية الاستقرار الداخلي من أي توظيف سياسي للدين.




تعليقات الزوار ( 0 )