يأتي بلاغ مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب الصادر بتاريخ 11 فبراير 2026 في لحظة دقيقة من تاريخ العلاقة المتوترة بين السلطة التنفيذية والجسم المهني للمحاماة، وهي علاقة لم تكن يوما تقنية خالصة بقدر ما كانت مرآة لصراع أعمق حول السلطة الرمزية داخل حقل العدالة. فالبلاغ في ظاهره لغة تهدئة وإشادة بالحوار وإعلان عن عودة المحامين إلى مزاولة مهامهم ابتداءا من يوم الإثنين 16 فبراير، لكنه في عمقه يحمل إشارات دقيقة تكشف عن حذر بنيوي وتوجس واضح من مآلات المسار التشريعي، خصوصا إذا استحضرنا أن أول اجتماع للجنة المشتركة تقرر عقده يوم الجمعة 13 فبراير، أي قبل ثلاثة أيام فقط من العودة إلى العمل، وهو ترتيب زمني لا يبدو اعتباطيا بل يعكس هندسة تفاوضية تقوم على اختبار النوايا قبل تثبيت الثقة.
فالبلاغ رغم لغته المؤسساتية الهادئة التي نوهت بمبادرة رئيس الحكومة وأشادت بإرادة إعادة بناء الثقة، لم يذهب بعيدا في إعلان انتصار الحوار أو حسم الخلاف، بل اكتفى بالتأكيد على الذود عن استقلال المهنة وثوابتها، وهو ما يكشف أن الجسم المهني لا يزال ينظر إلى مشروع القانون بعين الريبة، وأن قرار العودة إلى العمل لم يكن تنازلا بقدر ما كان خطوة محسوبة، مشروطة ضمنيا بما ستسفر عنه مداولات اللجنة، إن ترتيب الأحداث يوحي بأن يوم الجمعة ليس مجرد موعد إداري، بل لحظة اختبار أولى لمدى جدية السلطة التنفيذية في الاستجابة للمطالب المهنية، وأن يوم الإثنين لم يحدد كموعد للعودة إلا باعتباره رهينا بمناخ الثقة الذي ستنتجه أو تفشل في إنتاجه الاجتماعات الأولى.
ومن هنا يظهر أن البلاغ يشتغل على مستويين متوازيين، أحدهما مستوى ظاهر يعلن انتهاء مرحلة الإضراب وفتح صفحة جديدة من الحوار، والآخر مستوى خفي يعكس استمرار منطق الشك المتبادل، فالجسم المهني الذي خاض إضرابات وطنية واسعة وشهد تعبئة غير مسبوقة داخل الهيئات، لا يمكنه أن ينتقل فجأة من حالة المواجهة إلى حالة الثقة المطلقة دون ضمانات ملموسة، لذلك جاء قرار العودة إلى العمل مؤجلا إلى ما بعد أول اجتماع للجنة، وكأن البلاغ يقول ضمنا إن الثقة ليست معطى جاهزا بل نتيجة تفاوض مستمر.
وهذه القراءة تزداد وضوحا إذا استحضرنا طبيعة الاحتجاجات التي عرفتها المهنة خلال الأشهر الماضية حيث لم تكن مجرد رد فعل ظرفي، بل تعبيرا عن شعور عميق لدى المحامين بأن مشروع القانون يمس جوهر استقلالهم المهني ويعيد تعريف موقعهم داخل منظومة العدالة، فالإضرابات والمقاطعات والبيانات الحادة والنقاشات الساخنة على منصات التواصل الاجتماعي، كلها شكلت لحظة تعبئة جماعية أعادت للمهنة وعيها بذاتها كقوة ضغط قادرة على التأثير في القرار السياسي، وفي هذا السياق لم يكن البلاغ إعلان نهاية للصراع بقدر ما كان إعادة تموضع داخل مسار تفاوضي طويل.
كما أن لغة الإشادة التي استعملها البلاغ تجاه مبادرة رئيس الحكومة لا يمكن قراءتها بمعزل عن منطق التوازنات، فهي من جهة اعتراف بفتح قنوات الحوار ومن جهة أخرى محاولة للحفاظ على صورة المهنة كفاعل مسؤول لا يرفض التفاوض، لكن الإشادة لم تترجم إلى ثقة كاملة لأن البلاغ لم يربط العودة إلى العمل بإنهاء الخلاف أو سحب المشروع، بل ربطها بفتح نقاش داخل لجنة مشتركة، ما يعني أن الجسم المهني لا يزال يعتبر المعركة التشريعية مفتوحة وأن كل شيء قابل للمراجعة.
وأما ترتيب الزمن بين الجمعة والإثنين فيحمل دلالات سياسية واضحة، فهو يمنح للمحامين هامشا لمراقبة المؤشرات الأولى للحوار قبل الالتزام الكامل بإنهاء الاحتجاج، فإذا أفرز اجتماع اللجنة إشارات إيجابية كالتوافق على مراجعة بعض المقتضيات أو إعادة النظر في فلسفة المشروع، فإن العودة إلى العمل ستبدو كتعبير عن حسن النية، أما إذا اتسمت المداولات بالتصلب أو الغموض فإن هذا الترتيب الزمني يتيح للجسم المهني إعادة تقييم موقفه دون أن يكون قد فقد أدوات الضغط بالكامل، وهنا يتجلى منطق الثقة المشروطة حيث لا تمنح الثقة مسبقا بل تبنى تدريجيا عبر مؤشرات ملموسة.
ويكشف البلاغ كذلك عن تحولات أعمق داخل علاقة الدولة بالمهن الحرة، فالدولة التي تسعى إلى تحديث المنظومة القانونية تجد نفسها مضطرة إلى التفاوض مع فاعلين يمتلكون رأس مال رمزيا وتاريخيا يجعلهم شركاء لا مجرد منفذين، والمحاماة بحكم دورها في الدفاع عن الحقوق والحريات تتمتع بقدرة خاصة على تحويل الخلافات المهنية إلى قضايا رأي عام، وهو ما ظهر جليا في النقاشات الرقمية التي رافقت الإضرابات، حيث انقسم الرأي العام بين من يرى في الإصلاح ضرورة لضبط المهنة ومن يعتبره مساسا باستقلال الدفاع.
ومن زاوية أخرى يعكس البلاغ أيضا إدراكا داخل الجسم المهني بأن الإضراب الطويل يحمل مخاطر على صورة العدالة وثقة المتقاضين، لذلك جاء قرار العودة إلى العمل في صيغة تبدو تصالحية، لكنها في الواقع تحافظ على أوراق الضغط الرمزية، فالبلاغ لم يعلن نهاية الخلاف بل أكد على استمرار الذود عن القيم الأساسية للمهنة، ما يعني أن العودة إلى العمل ليست نهاية المعركة بل انتقالها من الشارع إلى قاعات التفاوض.
إن قراءة البلاغ في ضوء هذا السياق تكشف عن لعبة دقيقة بين الحذر والانفتاح، فالجسم المهني يرسل رسالة مفادها أنه مستعد للحوار لكنه غير مستعد للتفريط في مكتسباته، والدولة بدورها ترسل إشارة بأنها منفتحة على التفاوض لكنها لم تتخلى بعد عن مشروعها الإصلاحي وبين الرسالتين يتشكل فضاء تفاوضي هش، وستكون اجتماعات اللجنة أول اختبار حقيقي له، فنجاحها في إنتاج مناخ ثقة سيحول البلاغ إلى نقطة بداية لمرحلة جديدة من الشراكة، أما فشلها فسيعيد الصراع إلى نقطة الصفر وربما إلى أشكال احتجاجية أكثر حدة.
وهكذا يظهر البلاغ كنص تفاوضي بامتياز يوازن بين لغة المصالحة وذاكرة الصراع، ويعكس لحظة انتقالية لم تحسم فيها بعد معادلة القوة داخل حقل العدالة، فقرار العودة إلى العمل يوم الإثنين ليس إعلانا عن نهاية الأزمة بل تعبير عن انتظار حذر لما ستكشفه اجتماعات الجمعة من مؤشرات أولية على صدق النوايا، وبين التاريخين تختصر المهنة كل توجساتها، فثلاثة أيام فقط تفصل بين الأمل والشك وبين بناء الثقة أو انهيارها، وبين مسار تشريعي قد يتحول إلى توافق تاريخي أو يعود ليكون شرارة مواجهة جديدة داخل واحدة من أكثر المهن التصاقا بروح العدالة وميزانها الدقيق.






تعليقات الزوار ( 0 )