أخبار ساعة

13:51 - المعرض الدولي للكتاب بين الفرجة الثقافية ورهان التغيير المجتمعي13:44 - المتقاعدون بين تجميد المعاشات وغلاء المعيشة: هل ينتهي زمن الانتظار؟13:38 - غرق جنديين أجنبيين خلال مناورات الأسد الإفريقي 2026 قبالة سواحل طانطان13:30 - أوبك+ تزيد حصصها من إنتاج النفط13:15 - وسط مفاوضات متقدمة لتعزيز قدراته الجوية.. المغرب على أعتاب صفقة عسكرية بـ600 مليون دولار لاقتناء طائرات KC-390 البرازيلية12:08 - الملك يهنئ رئيس بولندا ويشيد بمتانة علاقات الصداقة والتعاون بين البلدين11:28 - خلال شهر واحد فقط.. 20 دولة تدعم الحكم الذاتي في الصحراء وتعزز الزخم الدولي لمغربية الإقليم10:16 - إيران ترد على واشنطن بمقترح من 14 بندا عبر باكستان لإنهاء الحرب ورسم خارطة طريق لوقف التصعيد09:00 - أجواء حارة نسبيا ورياح قوية مع غبار وضباب صباحي على السواحل00:22 - الأداء بالشيك في أسواق السمك بالجملة.. إصلاح ضروري أم صراع تمثيلي؟
الرئيسية » افتتاحية » انفصال القبايل بين وهم الهوية ومخاطر تفكيك الدولة

انفصال القبايل بين وهم الهوية ومخاطر تفكيك الدولة

افتتاحية

ليس الإعلان عن كيان انفصالي من عاصمة أوروبية حدثا معزولا ولا هو زلة خطاب عاطفي عابر، بل هو علامة كثيفة الدلالة على زمن تدار فيه السياسة من مسافة وتصاغ فيه الجغرافيا من خارجها، وتختبر فيه صلابة الدول لا بقدرتها على الردع فقط بل بقدرتها الأعمق على احتواء اختلافاتها، وتحويل التعدد من عبء محتمل إلى معنى جامع، وإن ما جرى في باريس تحت مسمى جمهورية القبايل لا يمكن فهمه كواقعة مستقلة بل بوصفه حلقة ضمن سيرورة عالمية أوسع تحول التعدد الطبيعي داخل الدول إلى مادة سياسية قابلة للتدويل، وتحول الهويات الثقافية من فضاءات للانتماء الهادئ إلى أدوات ضغط وتحول الاحتجاج المشروع من أفق إصلاحي إلى مشروع تفكيك، وهنا لا يعود السؤال الجوهري عن صدقية الإعلان أو قابليته للتحقق على الأرض بل عن دلالته الرمزية وعن الرسائل التي يحملها، وعن الجهات التي تستفيد من تحويل الداخل إلى شظايا متجاورة يسهل إدارتها من الخارج.

وقد قيل إن الدولة لا تنهار حين تهزم عسكريا بل حين تفقد المعنى الذي يجعل أبناءها يرون فيها إطارا لمصير مشترك فالمعنى لا السلاح هو ما يحمي الكيانات عبر الزمن وحين يستبدل هذا المعنى بسرديات الانفصال تتحول الدولة من بيت جامع إلى ساحة صراع روايات، ومن أفق مشترك إلى ذاكرات متناحرة، فالتجربة الإنسانية في تاريخها الطويل تظهر أن الهويات حين تقتطع من سياقها الوطني تتحول من ذاكرة مشتركة إلى متاريس ومن اختلاف منتج إلى صراع مدمر، فالاختلاف لا يصبح خطرا إلا عندما يقدم بديلا عن الاجتماع، وعندما يسوق بوصفه خلاصا فرديا أو جماعيا من عبء الدولة لا باعتباره عنصرا من عناصر ثرائها.

وليس من قبيل الصدفة أن تعلن مشاريع الانفصال من الخارج، فالخارج تاريخيا هو الفضاء الذي تختبر فيه هشاشة الداخل، وتقاس فيه قدرة الدولة على الصمود الرمزي قبل الصمود المادي، ففي العواصم البعيدة تصاغ الخرائط بلا كلفة اجتماعية وترفع الشعارات بلا مسؤولية تاريخية، وتقدم الوعود بلا مساءلة عن العواقب.

هناك، ويتحول تقرير المصير إلى شعار معلق في الفراغ بينما ينسى أن المصير في الواقع يصنع بالقدرة على الحكم وبالقدرة على التعايش وبالقدرة على إدارة الاختلاف داخل بيت واحد، وقد قيل إن من يطلب الحرية خارج شروطها الواقعية يجد نفسه أسيرا لنتائجها غير المحسوبة، لأن الحرية التي لا تستند إلى مؤسسات جامعة سرعان ما تتحول إلى فوضى مقنعة.

إن الانفصال، مهما بدا مغريا في خطابه لا ينتج دولة قوية بل دولة قلقة تعيش في حالة توتر دائم، وتبحث عن اعتراف الآخرين أكثر مما تبني اعتراف أبنائها، فالدولة التي تولد من رحم الانقسام تحمل في بنيتها خوفا تأسيسيا لأنها تدرك في عمقها أن ما حدث بالأمس يمكن أن يتكرر غدا، ولهذا فإن المستفيد الأول من مشاريع التفكيك ليس الشعوب بل القوى القادرة على تحويل الكيانات الصغيرة إلى هوامش تابعة، وعلى تحويل النزاعات المحلية إلى أوراق تفاوض وعلى إبقاء المناطق في حالة توتر دائم يبرر التدخل ويؤجل التنمية ويضعف السيادة وقد قيل إن من يفقد وحدته يفقد قدرته على قول لا ومن يفقد هذه القدرة يصبح موضوعا للسياسات لا فاعلا فيها.

والوحدة في المقابل ليست إنكارا للتعدد ولا قمعا للاختلاف بل تنظيما له داخل أفق مشترك، فالدولة التي تستوعب تنوعها لا تذوبه بل تمنحه إطارا ومعنى، وقد قيل إن القوة لا تكمن في تشابه الأفراد بل في قدرتهم على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، فحين يشعر المواطن بأن الدولة فضاء عدل وكرامة لا يبحث عن ملاذات هوياتية ضيقة، لأن الانتماء الواسع لا يلغي الانتماءات الفرعية بل يحميها، وحين تغلق أبواب المشاركة وتختزل السياسة في صوت واحد تتكاثر الأصوات الهامشية، لا لأنها أقوى بل لأنها تجيد مخاطبة شعور الغبن وتحويل الإحباط إلى سردية خلاص زائف.

ومن هنا فإن الحدث مهما كانت خلفياته ينبغي أن يقرأ بوصفه مرآة بقدر ما هو تهديد، فهو مرآة تظهر الحاجة إلى تجديد العقد الداخلي وإلى إعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها مشروعا مشتركا لا جهازا فوقيا، فالشرعية لا تفرض بالقانون وحده بل تبنى بالثقة، والثقة لا تصنع بالشعارات بل بالعدالة وبالإصغاء وبفتح أفق الأمل أمام الأجيال، وقد قيل إن الدولة التي تكثر من الأسوار تعترف ضمنيا بأنها فقدت الجسور، وأن الجسور لا الأسوار هي ما يمنع الانقسام من التحول إلى قدر.

وفي الإقليم لا يمكن فصل التفكيك الداخلي عن الاستنزاف الخارجي، فالنزاعات بين الدول المتجاورة تغري الآخرين بتوسيع الهوة وتحول الخلافات إلى بنى دائمة تغذي الشك المتبادل وتضعف القدرة على بناء أفق مشترك، وإن استمرار الجزائر في توجيه جزء من طاقتها السياسية والدبلوماسية نحو خصومات إقليمية بدل الاستثمار في بناء فضاء مغاربي متماسك، يضعف الجميع بلا استثناء، فالقوة في عالم اليوم لا تقاس بعدد الشعارات ولا بحدة الخطاب بل بقدرة الدول على بناء كتل تعاون وعلى تحويل الجغرافيا المشتركة إلى فرصة لا عبئا وإلى مجال تكامل لا ساحة صراع.

وقد مد المغرب يده أكثر من مرة بإشارات واضحة إلى رغبة في فتح صفحة جديدة انطلاقا من إدراك بأن التاريخ المشترك أثقل من الخلافات الظرفية، وأن المستقبل لا يبنى بمنطق الغالب والمغلوب، فاليد الممدودة ليست تنازلا ولا ضعفا بل تعبير عن وعي استراتيجي بأن الصراعات الطويلة تنهك الجميع، وأن السلام العاقل هو استثمار بعيد المدى، وقد قيل إن أصعب أشكال الشجاعة هو الاعتراف بأن الاستمرار في الصدام ليس دليل قوة بل أحيانا دليل عجز عن تخيل أفق آخر.

وإن ما يسمى بالانفصال حين يقدم كحل يغفل حقيقة بسيطة وعميقة، وهي أن الشعوب لا تعيش بالحدود وحدها بل بالمعنى الذي تمنحه للعيش المشترك، والمعنى لا يستورد ولا يفرض من منصات بعيدة بل يصاغ في الداخل بالصبر وبالإصلاح وبالإيمان بأن الدولة رغم أعطابها وتناقضاتها، تظل الإطار الوحيد القادر على تحويل التنوع إلى طاقة والاختلاف إلى ثراء والذاكرة إلى مستقبل، وتفكيك الدولة لا ينقذ الهويات بل يعريها ولا يحرر الشعوب بل يتركها معلقة بين وعود الخارج وخيبات الداخل.

إن القبايل كمنطقة وكثقافة وذاكرة نضالية جزء أصيل من التاريخ الجزائري أسهمت في مقاومة الاستعمار وفي تشكيل الوعي الوطني وفي بناء الشخصية الجماعية للدولة، وتحويل هذا العمق التاريخي إلى مشروع انفصالي هو في جوهره اقتطاع للذاكرة من سياقها واختزال للتاريخ في لحظة غضب، بدل قراءته كسيرورة طويلة من التعايش والنضال المشترك، وقد قيل إن من يقطع جذوره باسم الحرية يجد نفسه معلقا في الفراغ.

وإن إعلان جمهورية القبايل من باريس ليس نهاية قصة بل إنذار مبكر، فهو إنذار بأن زمن التفكيك الناعم قد بدأ، وبأن الرد عليه لا يكون بالقمع وحده ولا بالإنكار بل ببناء دولة عادلة في الداخل وبسياسة إقليمية عاقلة في الخارج وبوعي عميق بأن وحدة الجزائر مثل وحدة المغرب ليست شأنا داخليا صرفا، بل شرطا لبقاء المنطقة كلها خارج خرائط الآخرين، ففي زمن تعاد فيه صياغة الخرائط في الصالونات تصبح الوحدة فعل مقاومة عقلانية لا تعصبا أعمى، ومقاومة تدرك أن الإصلاح أعمق من الانفصال وأن الكرامة تبنى داخل الدولة لا على أنقاضها، وأن المستقبل مهما بدا مغريا في شعاراته لا يصنع إلا حين يختار الناس أن يكونوا معا لا لأنهم متشابهون بل لأنهم قرروا أن يختلفوا دون أن يتفككوا.

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية) .

مواضيع ذات صلة

مالي تحترق… فماذا يعني ذلك للمغرب؟

1 مايو 2026 - 4:28 م

ليست الهجمات الإرهابية المنسقة التي شهدتها مالي في 25 أبريل 2026 مجرد حدث أمني عابر في جغرافيا بعيدة نسبيا عن

مضيق هرمز بعد فشل مفاوضات  إسلام آباد بين صراع الإرادات وتهديد شريان الطاقة العالمي

12 أبريل 2026 - 8:41 م

بعد فشل المفاوضات التي احتضنتها إسلام آباد، والتي جمعت بين وفد أمريكي يقوده رجال أعمال مقربون من الرئيس ترامب، ووفد

ديناميات الصراع في الخليج وإعادة هندسة موازين القوى في زمن الحروب المفتوحة

20 مارس 2026 - 3:08 م

منذ ثمانينيات القرن الماضي، لم تعرف منطقة الخليج استقرارا حقيقيا، بل تعاقبت عليها حروب كبرى أعادت رسم خرائط النفوذ وموازين

من مدريد 1975 إلى مدريد 2026 .. هكذا حسم المغرب ملف الصحراء بين السردية التاريخية والواقعية السياسية!!

9 فبراير 2026 - 11:14 م

ليست مشاورات مدريد الأخيرة حول ملف الصحراء المغربية مجرد جولة تفاوضية جديدة تُضاف إلى أرشيف نزاع ملف الصحراء المغربية الذي

محنة الفيضانات.. هكذا نزلت الدولة إلى الوحل وصعدت الأمة إلى المعنى!!

4 فبراير 2026 - 5:25 م

في لحظة زمنية من تاريخ المغرب قال المقيم العام ليوطي هوبير، وهو يدخل المغرب: “لقد وجدنا ها هنا دولة، ووجدنا

اختر مدينتك
الفجرالشروقالضهرالعصرالمغربالعشاء
الرطوبة : %
الرياح : km/h
°
°
°