بعد أكثر من قرن على تأليفه، خرج مخطوط الفتوحات الوهبية في سيرة مولانا الحسن السنية ومفاخر اختراعاته البهية إلى دائرة التداول العلمي، في طبعة محققة أنجزها الباحث خالد طحطح ضمن منشورات جسور سنة 2026، ليكشف عن واحد من أندر النصوص المغربية التي توثق لتحولات القرن التاسع عشر، بعدما ظل طويلاً حبيس الخزائن الخاصة ولا يُعرف إلا عبر إشارات متناثرة في بعض المصادر.
يعود هذا العمل إلى الحسين بن عبد الرحمان السملالي السوسي، وهو اسم لا يحضر بقوة في كتب التراجم، رغم ما نُسب إليه من سعة اطلاع ونزعة بحثية لافتة. وقد جمع الرجل بين التكوين الفقهي والممارسة التجارية، كما أقام فترة طويلة بالجزائر، ما أتاح له الاحتكاك المباشر بالأوروبيين ومتابعة السياسات الاستعمارية عن قرب، وهو ما انعكس بوضوح في كتابه الذي تجاوز السرد التقليدي للأحداث نحو تحليل سياسي واقتصادي يعكس وعياً مبكراً بتحولات عصره.
قصة المخطوط لا تقل إثارة عن مضمونه؛ إذ سبق للمؤرخ محمد المنوني أن أشار إلى وجوده بالمكتبة الزيدانية بمكناس، غير أن النسخة التي اعتمدها المحقق وُجدت ضمن مكتبة علال الفاسي الخاصة، دون وضوح حول مسار انتقالها. ويتكون النص من 367 صفحة، ولا يُعرف له سوى نسخة واحدة، ما يمنحه قيمة استثنائية ويطرح في الآن ذاته تساؤلات حول ظروف نسخه وتداوله.
تكمن أهمية هذا العمل في كونه يقدم شهادة من داخل مغرب السلطان الحسن الأول، حيث يرصد قضايا الإدارة والجباية والعلاقات مع القوى الأجنبية. ويتوقف مطولاً عند “الترتيب الحسني”، مدافعاً عنه بوصفه آلية محتملة لتحقيق العدالة المالية إذا ما أُحسن تنظيمه، مقترحاً حلولاً عملية لتنظيم الجباية، من بينها إشراك أمناء من أبناء القبائل تحت رقابة السلطة المركزية، وهو تصور إداري متقدم بالنسبة لسياقه.
كما يتناول ظاهرة الحمايات الأجنبية، منتقداً لجوء بعض المغاربة إلى الاستقواء بالقوى الأجنبية، ومبرزاً انعكاسات ذلك على سيادة الدولة. وفي جانب آخر، يكشف النص عن وعي اقتصادي لافت، حيث يدعو مؤلفه إلى الحد من تغلغل السلع الأجنبية، ورفع الرسوم على الكماليات، محذراً من آثار التبعية الاقتصادية، في طرح يسبق بكثير النقاشات الحديثة حول الحماية الاقتصادية.
ولا يقتصر الكتاب على الشأن المغربي، بل يمتد إلى رصد تحولات أوروبا، من الثورة الفرنسية إلى ثورات 1848 وسقوط لويس فيليب، مع وصف لبعض مظاهر التنظيم السياسي، كالمؤسسات التمثيلية والأجهزة الأمنية، ما يعكس اطلاعاً غير مألوف لدى مؤلف مغربي في تلك المرحلة.
كما تحضر الجزائر بقوة في النص، من خلال متابعة الاحتلال الفرنسي ومقاومة الأمير عبد القادر، إضافة إلى رصد التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها البلاد، وهو ما يمنح العمل قيمة مزدوجة كمصدر لتاريخ المغرب والجزائر معاً.
ويأتي نشر هذا المخطوط في سياق مشروع أوسع يهدف إلى إحياء النصوص التاريخية المنسية، بما يفتح أفقاً جديداً لإعادة قراءة تاريخ المغرب الحديث، ليس فقط عبر معطيات جديدة، بل أيضاً من خلال الكشف عن أصوات مغربية كانت واعية بتحولات العالم ومنخرطة في التفكير في قضايا الإصلاح والدولة والاقتصاد، بعيداً عن الصور النمطية التي حصرت نخب القرن التاسع عشر في المحافظة والجمود.


تعليقات الزوار ( 0 )