في عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية، لم يعد المغرب يتحرك كدولة هامشية في شمال إفريقيا، بل كفاعل إقليمي يعيد تموقعه داخل النظام الدولي عبر توظيف الجغرافيا، الاقتصاد، الأمن، والدبلوماسية متعددة الأبعاد. فالأزمات العالمية المتلاحقة، من الحرب الروسية الأوكرانية إلى اضطرابات سلاسل التوريد وأزمات الطاقة والغذاء، أعادت رسم خرائط النفوذ الدولي، وفتحت المجال أمام قوى إقليمية صاعدة قادرة على لعب أدوار استراتيجية جديدة. وفي هذا السياق، برز المغرب كنموذج لدولة استطاعت تحويل موقعها الجغرافي من مجرد معطى طبيعي إلى رافعة للنفوذ الإقليمي والدولي.
لقد أصبح المغرب اليوم أحد أهم المراكز اللوجستية والبحرية في إفريقيا والمتوسط بفضل ميناء طنجة المتوسط الذي تحول إلى منصة عالمية للتجارة والصناعة وربط الأسواق. كما تستعد المملكة لإطلاق ميناء “الناظور غرب المتوسط” خلال سنة 2026، إضافة إلى ميناء الداخلة الأطلسي المرتقب سنة 2028، في إطار استراتيجية بحرية تهدف إلى جعل المغرب قوة أطلسية ومتوسطية في آن واحد. وتشير المعطيات الرسمية إلى أن المناطق الصناعية المرتبطة بطنجة المتوسط تضم أكثر من 1400 شركة وتشغل حوالي 130 ألف عامل، في قطاعات السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية.
وفي المجال الطاقي، يراهن المغرب على التحول إلى محور استراتيجي للطاقة بين إفريقيا وأوروبا. ويعد مشروع أنبوب الغاز المغربي-النيجيري أحد أكبر المشاريع الجيوسياسية بالقارة الإفريقية، إذ يمتد على حوالي 6900 كيلومتر، بكلفة تناهز 25 مليار دولار، مع قدرة متوقعة تصل إلى 30 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز. ويهدف المشروع إلى ربط غرب إفريقيا بالمغرب والأسواق الأوروبية، مع تمكين دول الساحل من الولوج إلى الطاقة وتعزيز التكامل الاقتصادي الإفريقي. وتشير تقارير حديثة إلى أن الرباط وأبوجا تستعدان لتوقيع اتفاق حكومي جديد لتسريع المشروع خلال 2026.
ولم يقتصر الحضور المغربي على الاقتصاد فقط، بل امتد إلى المجال الجيوسياسي والأمني داخل إفريقيا. فالمغرب بات يقدم نفسه كفاعل للاستقرار الإقليمي، خصوصاً في منطقة الساحل وغرب إفريقيا، عبر مبادرات التعاون الأمني والتكوين الديني والاستثمار الاقتصادي. كما أن المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي تعكس تحوّلاً في العقيدة الجيوسياسية المغربية، من منطق الدفاع الترابي إلى منطق صناعة النفوذ الإقليمي عبر البنية التحتية والربط البحري واللوجستي.
أما قضية الصحراء المغربية، فقد أصبحت مركز العقيدة الاستراتيجية للدولة المغربية داخل النظام الدولي الجديد. فبعد الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، وتزايد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي، انتقل المغرب من مرحلة الدفاع الدبلوماسي إلى مرحلة فرض الوقائع الاقتصادية والتنموية في الأقاليم الجنوبية. ولهذا يتم تقديم الداخلة اليوم باعتبارها بوابة استراتيجية نحو إفريقيا الأطلسية، خصوصاً مع المشاريع المرتبطة بالموانئ، والطاقات المتجددة، وتحلية المياه، والربط التجاري مع دول الساحل.
كما يسعى المغرب إلى تعزيز مكانته داخل الاقتصاد العالمي عبر الاستثمار في الصناعات المستقبلية، خاصة الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة. فالموانئ الجديدة المرتقبة ستضم منشآت مخصصة لتصدير الهيدروجين الأخضر، في ظل سعي أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل التبعية الخارجية. وفي الوقت نفسه، تواصل الشركات المغربية توسعها داخل إفريقيا، خصوصاً في قطاعات الموانئ، البنوك، الاتصالات والخدمات اللوجستية، وهو ما يعزز التحول التدريجي للمغرب من اقتصاد وطني إلى فاعل اقتصادي إقليمي.
غير أن هذا الصعود الجيوسياسي يواجه تحديات حقيقية، أبرزها التوترات الإقليمية في الساحل، المنافسة الجيوسياسية مع الجزائر، الضغوط المناخية والمائية، والتقلبات الاقتصادية العالمية. كما أن الحفاظ على هذا الموقع يتطلب تسريع الإصلاحات الداخلية، وتقوية الرأسمال البشري، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. فالقوة الإقليمية لا تُبنى فقط بالموانئ والأنابيب والاتفاقيات، بل أيضاً بقدرة الدولة على إنتاج التنمية والاستقرار والعدالة الاجتماعية.
إن المغرب اليوم يعيد تشكيل صورته داخل النظام الدولي كقوة إقليمية صاعدة تجمع بين الجغرافيا والاقتصاد والدبلوماسية والأمن. وبين إفريقيا وأوروبا، وبين المتوسط والأطلسي، يبدو أن المملكة تراهن على بناء نموذج جديد للقوة يقوم على “الجيو-اقتصاد” أكثر من الصراع التقليدي، وعلى تحويل الموقع الجغرافي إلى مصدر دائم للنفوذ والمصالح الاستراتيجية.
*دكتور باحث واقتصادي




تعليقات الزوار ( 0 )