شهدت السنوات الأخيرة بروز ممارسات دينية في المغرب أثارت نقاشاً واسعاً، من بينها أداء الصلوات في الفضاءات العمومية بشكل غير منظم. فقد أصبحت بعض الشوارع والأزقة والساحات مسرحاً لصلوات فردية وجماعية، ما يؤدي أحياناً إلى عرقلة السير وإزعاج المارة ومستعملي الطريق. وهكذا لم يعد المجال العام يعاني فقط من مظاهر البناء العشوائي ونقص التجهيزات، بل أضحى يعرف أيضاً نوعاً من “العشوائية التعبدية” التي تتجلى في إقامة الصلوات خارج الأطر المخصصة لها.
فلم يعد مستغرباً أن يشاهد المرء أشخاصاً يؤدون صلاتهم قرب العربات أو أمام المحلات أو في الممرات، كما أن بعض الصلوات الجماعية، خاصة يوم الجمعة، تمتد إلى خارج المساجد الكبرى، حيث تُغلق شوارع وتُسد منافذ لتسهيل أداء الشعيرة. ورغم ما يعكسه ذلك من حرص ديني، فإنه يطرح إشكال التوازن بين ممارسة الشعائر واحترام النظام العام.
وتعود هذه الظاهرة إلى عوامل متعددة، في مقدمتها محدودية الطاقة الاستيعابية لعدد من المساجد، خصوصاً في صلاة الجمعة التي تستقطب أعداداً كبيرة من المصلين. فعلى الرغم من جهود وزارة الأوقاف والمحسنين في بناء المساجد وترميمها، فإن بعضها لا يستوعب جميع الوافدين، ما يدفع كثيرين إلى الصلاة في محيطها الخارجي. كما أن بعض المساجد الصغيرة لا تُقام فيها صلاة الجمعة، فيتوجه روادها إلى المساجد الكبرى، الأمر الذي يفاقم الاكتظاظ.
ومن الأسباب أيضاً تأخر بعض المصلين عن الحضور المبكر، إما بسبب التزاماتهم المهنية أو رغبةً في تفادي الازدحام داخل المسجد، فيختارون أداء الصلاة خارجه لسهولة المغادرة. يضاف إلى ذلك انتشار تصور يعتبر أن أداء الصلاة يتحقق بمجرد التوجه إلى القبلة، بصرف النظر عن المكان أو شروط النظافة والسكينة، فضلاً عن نزعة إلى إظهار المظهر الديني أكثر من استحضار جوهر التعبد وروحه.
إن هذه الممارسات، وإن كانت تعكس تعلقاً بالشعائر، قد تُفرغها أحياناً من بعدها الروحي، حين تتحول إلى أداء سريع يفتقر إلى شروط الطمأنينة والخشوع التي توفرها المساجد المهيأة لهذا الغرض. لذلك يبدو من الضروري التفكير في مقاربة متوازنة تضمن حرية العبادة من جهة، وتحافظ على انتظام الفضاء العام من جهة أخرى.
ويتطلب ذلك توسيع الطاقة الاستيعابية للمساجد وفق معايير عمرانية ملائمة، وإعادة تأهيل القيمين الدينيين، والحرص على جودة الأذان وحسن أدائه، بما ينسجم مع الذوق العام ويعكس صورة حضارية عن التدين المغربي. فممارسة الشعائر ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة لبناء إنسان متوازن، متشبع بالقيم الروحية، ومنفتح في سلوكه اليومي.
إن التطور لا يعني التفريط في جوهر الدين، بل يستدعي تجديد أساليب ممارسته بما ينسجم مع متطلبات العصر. فالمعيار الحقيقي للتدين لا يكمن في المظاهر الشكلية، بل في الأخلاق، والوعي، والقدرة على التوفيق بين الإيمان وروح المدنية.






تعليقات الزوار ( 0 )