حين نتأمل مسار التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقود الأخيرة، يتضح أن المؤسسة الدينية لم تعد تؤدي نفس الأدوار المركبة التي كانت تضطلع بها في الأزمنة الأولى، حيث كان المسجد فضاء للتعبد والتعلم وتداول الشأن العام في آن واحد، أما اليوم فقد أصبح في كثير من الأحيان بنية معمارية مهيبة تحضر فيها الطقوس أكثر مما تحضر فيها النقاشات الحيوية التي تصنع الوعي الجماعي، وهو ما يفسر إحساس بعض الفئات وخاصة الشباب بأن دور المسجد انحصر في الجانب الشعائري دون أن يواكب أسئلة العصر المتعلقة بالبطالة والهجرة والعدالة الاجتماعية والهوية، ويمكن ملاحظة ذلك في أحياء شعبية عديدة بفاس والدار البيضاء وطنجة حيث يزدحم المسجد بالمصلين في مواسم محددة، بينما تبقى قاعات الأنشطة الثقافية شبه فارغة، ويضطر الشباب للبحث عن فضاءات بديلة للنقاش والتعبير عبر المقاهي أو منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما يعكس تحولا في طبيعة المجال العمومي.
وفي المقابل يبرز تناقض واضح بين التدين الشكلي والتدين الواعي، حيث يختزل البعض العلاقة مع الدين في المظاهر الخارجية، بينما يتراجع حضور التأمل العميق في القيم الأخلاقية والسلوك اليومي، فتجد موظفا يحرص على الصف الأول في الصلاة لكنه لا يتردد في الرشوة أو استغلال النفوذ، أو تاجرا يكثر من الشعارات الدينية في محله بينما يبالغ في الأسعار خلال الأزمات، وهو ما يكشف فجوة بين الخطاب والممارسة، كما أن النزاعات التي تبدو في ظاهرها مذهبية أو عقائدية حين يتم تداولها على منصات التواصل بين المغاربة، غالبا ما ترتبط بصراعات جيوسياسية وإعلامية خارجية يتم استيرادها إلى النقاش المحلي، في حين أن المواطن البسيط يظل منشغلا بقضايا المعيشة اليومية كغلاء الأسعار وضعف الخدمات الصحية والتعليمية، وهو ما يجعل الانقسام الطائفي أداة لتشتيت الانتباه عن القضايا الاجتماعية الأساسية.
وتبرز أيضا ظاهرة استثمار الدين كأداة رمزية في الصراع على النفوذ، سواء عبر الخطاب السياسي أو بعض المنابر الإعلامية التي توظف لغة الوعظ لإضفاء شرعية أخلاقية على مواقفها، وهو الأمر الذي يؤدي أحيانا إلى فقدان الثقة في الخطاب الديني نفسه، خصوصا عندما يشعر الناس أن الدين يتم تسويقه كوسيلة للهيمنة لا كقيمة روحية جامعة، وقد ظهر ذلك بوضوح في نقاشات المغاربة حول بعض القضايا الاجتماعية الحساسة، حيث يتحول النقاش بسرعة إلى اتهامات بالتكفير أو التخوين بدل الحوار العقلاني، مما يعمق الاستقطاب ويغلق أبواب الفهم المتبادل، كما أن المجتمع الذي يسود فيه الاعتقاد المطلق بصواب الذات يجد صعوبة في إدارة الاختلاف، وهو ما يظهر في النقاشات الحادة حول قضايا مثل الحريات الفردية أو مدونة الأسرة، حيث تتحول الآراء المختلفة إلى معارك شخصية بدل أن تكون نقاشات فكرية.
وعندما اندلعت بعض الحركات الاحتجاجية في مناطق مختلفة من المغرب، كما حدث في حراك الريف أو احتجاجات بعض المدن ضد غلاء المعيشة برزت أهمية الوعي الجماعي في تحديد مسار هذه التحركات، إذ إن غياب التأطير الثقافي والسياسي يجعل أي حركة عرضة للتشتيت أو الاحتواء، خصوصا عندما يتم جرها إلى صراعات هوياتية أو دينية تفرغ مطالبها الاجتماعية من مضمونها.
ويلاحظ كذلك أن النصوص الدينية كثيرا ما يتم استحضارها في سياقات جنائزية أو طقوسية، بينما يقل حضورها كمصدر إلهام لبناء ثقافة العمل والإنتاج والتكافل، في حين أن المجتمع المغربي تاريخيا عرف نماذج مشرقة من التضامن الاجتماعي المرتبط بالقيم الدينية، كما في تقاليد التويزة والوزيعة التي كانت تجسد روح التعاون الجماعي.
وتكمن أزمة الفهم في أن كثيرا من الناس ينتسبون إلى الإسلام بالهوية أكثر مما يمارسونه كمنظومة أخلاقية ومعرفية، فيتحول الدين إلى شعار اجتماعي لا إلى مشروع حياة، وهو ما يفسر التناقض بين كثافة الشعائر وارتفاع مؤشرات العنف الأسري أو الغش في الامتحانات أو التهرب الضريبي، وعندما تواجه المجتمعات أزمات حقيقية مثل الفيضانات أو الحرائق أو الكوارث الطبيعية، يبرز أحيانا خطاب يدعو إلى الاكتفاء بالدعاء دون المبادرة إلى العمل الميداني، في حين أن التجارب الناجحة في المغرب أظهرت أن التكافل العملي كما حدث خلال زلزال الحوز حين سارع المواطنون إلى تقديم المساعدة، هو التعبير الأصدق عن الإيمان المسؤول.
ومن جهة أخرى فإن ابتعاد بعض القيادات الدينية عن هموم الناس اليومية وتحول خطابها إلى لغة وعظية جامدة قد يدفع فئات واسعة وخاصة الشباب منهم، إلى البحث عن بدائل فكرية أو روحية خارج الإطار التقليدي، وهو ما يفسر انتشار منصات التنمية الذاتية أو الخطابات البديلة التي تعد بتحقيق الطموحات الفردية،
كما أن مسألة السمعة الاجتماعية تكشف عن اختلالات عميقة في بنية القيم، حيث تتحمل المرأة عبئا مضاعفا في قضايا الأخلاق مقارنة بالرجل، ويكفي أن تنتشر شائعة حول فتاة في حي شعبي حتى تحاصر اجتماعيا، بينما يستطيع الرجل بسهولة إعادة بناء صورته عبر مظاهر التدين أو النفوذ الاجتماعي، وهو ما يعكس استمرار أنماط الهيمنة الذكورية.
ويظهر أيضاً أن السيطرة على المجتمع لا تأتي دائما من الخارج، بل قد تنشأ من داخل البنية الثقافية نفسها عبر أنماط التفكير التي تكرس الخضوع، مثل تمجيد الطاعة العمياء أو الخوف من السؤال، وهو ما يجعل الصراحة والموقف النقدي مكلفين اجتماعيا رغم أهميتهما في بناء مجتمع ناضج، وفي مسار تشكل الهوية الفردية داخل المغرب المعاصر، حيث يجد الإنسان نفسه بين إرث عائلي وثقافي قوي وبين رغبة في رسم مساره الخاص، فتجد شابا من أسرة محافظة يختار مسارا فنيا أو فكريا مختلفا، أو فتاة ترفض الأعراف التقليدية في الزواج بحثا عن شراكة متوازنة، وهو ما يعكس تحولات عميقة في مفهوم الحرية الشخصية.
وعندما يقرر الفرد احترام عقله والسعي إلى الفهم بدل التلقين، يكتشف أن الخوف الحقيقي لدى بعض البنى السلطوية ليس من القوة الجسدية بل من الوعي النقدي القادر على كشف التناقضات، وهو ما يفسر الحساسية المفرطة تجاه النقاشات الفكرية الجريئة. ويبدو المجتمع أحيانا منقسما بين فئات غارقة في اللامبالاة وفئات تفكر في الهجرة كخيار للخلاص، كما يظهر في موجات الهجرة السرية التي تعكس فقدان الثقة في المستقبل، بينما يكمن التحدي في خلق بيئة تجعل الشباب يشعرون بأن البقاء والمساهمة في البناء خيار واقعي.
وتكشف بعض المفارقات الاجتماعية المؤلمة عن ازدواجية عميقة، كأن يموت شخص في حي هامشي بسبب الفقر بينما تنفق أموال طائلة في طقوس العزاء والولائم، وهو ما يعكس تغليب الرمزية على الفعل التضامني الحقيقي، وأما في ما يتعلق بالزواج فإن التركيز المفرط على المظاهر الاستهلاكية من مهور مرتفعة وحفلات فخمة يثقل كاهل الشباب ويؤخر سن الزواج، ويعيد إنتاج صورة المرأة كموضوع للتفاخر الاجتماعي بدل أن تكون شريكا مستقلا في بناء علاقة قائمة على الاحترام والاختيار الحر.
ويمكن القول أن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمع المغربي اليوم يكمن في إعادة التوازن بين القيم الروحية والعمل الميداني، وبين الانتماء الديني والفهم العميق لمقاصده، وبين الهوية الجماعية وحرية الفرد، لأن مستقبل أي مجتمع لا يتحدد فقط بما يردده من شعارات، بل بقدرته على تحويل وعيه إلى سلوك يومي يحقق الكرامة والعدالة والمعنى.






تعليقات الزوار ( 0 )