ليست كل الكوارث تلك التي تهبط من السماء فجأة، بل بعضها يولد في المسافة الرمادية بين القرار والتأخير وبين البلاغ التقني والقلق الشعبي وبين لغة الأرقام الباردة وصراخ البشر الذين يجدون أنفسهم فجأة خارج بيوتهم، فما حدث حين اضطرت الدولة إلى إجلاء ما يفوق 108 آلاف مواطن من العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة وفي قلبهم كتلة بشرية هائلة من القصر الكبير، لم يكن مجرد حدث طبيعي عابر بل لحظة سياسية مكثفة تكشف طبيعة الدولة الحديثة حين تختبر في أخطر ما تملك وهو أمنها المائي، فقد اتضح أن مركز الثقل في الواقعة لم يكن المدينة وحدها بل سد وادي المخازن الذي يعلوها، وحين يصبح تدبير سد قرار حياة أو موت فإننا لا نكون أمام مسألة هندسية فقط، بل أمام امتحان أخلاقي وسياسي يلامس أعماق العقد الاجتماعي.
فقد كتب أولريش بيك منظر مجتمع المخاطر أن المجتمعات الحديثة لم تعد تخاف الطبيعة وحدها، بل تخاف الطريقة التي تدير بها مؤسساتها المخاطر المصنوعة بشريا، وهنا حين تجاوز السد سعته الاعتيادية منذ 6 يناير الماضي وارتفع منسوب المياه أربعة أمتار فوق المستوى التاريخي المسجل منذ بدء استغلال المنشأة، لم يعد السؤال مجرد سؤال هيدرولوجي بل سؤال ثقة، وعندما أعلنت الجهات المختصة أن صبيب التصريف قد يفوق 1200 مترا مكعبا في الثانية، فإن الرقم الذي قد يبدو مجرد معادلة تقنية في مكاتب المهندسين يتحول في لغة المجتمعات إلى صورة ذهنية مرعبة، ومؤداها أن النهر قد يتحول إلى آلة كاسحة وإلى قوة عمياء قد تبتلع المجال والذاكرة معا، وبالأخص إذا أضفنا ما ستهطل به السماء فوق جبال وزان وشفشاون، وما ستجمعه الشعاب والأودية الصغيرة غير المنظمة في لحظة واحدة.
إن الخطر الحقيقي لم يكن في الماء وحده بل في الغموض الذي أحاط بتدبيره، فالبلاغ التقني الصادر عن وزارة التجهيز والماء أكد أن المنشأة سليمة وأن الأمور تحت المراقبة اليومية، بينما جاء خطاب الداخلية بلغة استعجالية تتحدث عن مؤشرات خطورة متزايدة واحتمال تفاقم مفاجئ، وهو الأمر الذي جعل المواطن يعيش بين روايتين رسميتين بنبرتين مختلفتين، وهنا يستحضر المرء ما قاله يورغن هابرماس عن أن الشرعية السياسية لا تبنى بالكفاءة التقنية فقط بل بالفعل التواصلي الذي يمنح المجتمع القدرة على الفهم والمشاركة، ذلك أنه حين تتضارب النبرة تتكسر الثقة تلقائيا ويتحول المواطن إلى متلق خائف يبحث عن المعنى في الشائعات.
وسوسيولوجيا يصبح الإجلاء الجماعي أكثر من إجراء وقائي لأنه يغدو تجربة وجودية قاسية، وكما وصف زيغمونت باومان عالمنا بأنه يعيش سيولة الخوف فإن الناس حين يخرجون من بيوتهم لا يتركون الجدران فقط بل يتركون إحساسهم بالأمان النفسي، وتتحول المدن إلى فضاءات انتظار مفتوحة على المجهول، فمدينة القصر الكبير لم تعد مجرد مدينة مهددة بل مدينة في طريق موجة تفاوض مع الطبيعة والقرار السياسي في آن واحد، وهنا يبرز السؤال الذي يؤجل دائما ومؤداه هل نحن أمام كارثة طبيعية فقط أم كارثة تدبيرية أيضاً؟ وهل الوصول إلى نسب امتلاء تجاوزت 140% و146% نتاج واردات استثنائية فقط أم أن آليات التسيير الاعتيادية لم تفعل في وقتها وبالجرأة اللازمة؟.
إن ميشيل فوكو حين تحدث عن السلطة الحيوية أشار إلى أن الدولة الحديثة تعرف بقدرتها على إدارة الحياة والمخاطر، فالمنشآت المائية ليست جدرانا من إسمنت فقط بل أجهزة سياسية لإدارة الخوف والنجاة، وحين يطلب من الناس الصبر دون أن يشرح لهم متى يبدأ التفريغ وما هي العتبات، وما هو هامش المناورة الحقيقي وما الذي حدث في الأسابيع السابقة وما هو أسوأ سيناريو محتمل، فإن الدولة تترك فراغا معرفيا يتحول بسرعة إلى قلق جماعي، فالناس تستطيع أن تتحمل الحقيقة لكنها لا تتحمل الغموض، لأن الغموض في زمن الأزمات ليس حيادا بل شكلا من أشكال العنف الرمزي الذي تحدث عنه بيير بورديو، حيث تتحول اللغة التقنية إلى حجاب يخفي التوترات بدل أن يفسرها،
ثم يأتي البعد الأخطر وهو المال في بلد عاش سبع سنوات من الجفاف، ثم فتحت الأمطار أبواب الجغرافيا فجأة، فلا يمكن أن يفصل تدبير الماء عن تحولات الاقتصاد السياسي، فقد تحدث رئيس مجلس المنافسة عن دخول القطاع الخاص بقوة إلى إنتاج الماء الشروب وتحوله إلى مصدر أول لعدد من المدن الكبرى، وهذا الخيار قد يكون مبررا تقنيا وماليا لكن كارل بولانيي حذر منذ عقود من تحويل الموارد الحيوية إلى سلع خاضعة لمنطق السوق، لأن ذلك يخلق توترا دائما بين المصلحة العامة ومصالح الربح، فحين يصبح الماء سلعة يصبح الجفاف فرصة وحين يصبح الجفاف فرصة تتحول مشاريع الربط بين الأحواض والتحلية إلى ساحات صفقات تتقاطع فيها السلطة بالاقتصاد، وعندها يصبح أي خلل تدبيري أو حتى مجرد الاشتباه في سوء التدبير بابا واسعا للريبة، لأن المجتمع يعرف كيف تختلط المصالح بالبنية التحتية.
إن الأزمة كشفت أيضا غياب الصوت السياسي الواضح، فأين الحكومة؟ وأين الوزراء حين يتعلق الأمر بأمن مائي يهجر مدينة؟ ولماذا يختبئ السياسيون خلف البلاغات التقنية؟ وكيف يسمع صوت رئيس الحكومة في الدفاع عن صفقات تحلية مياه البحر ولا يسمع صوته بالوضوح نفسه حين يتعلق الأمر بمشاريع قنوات الربط بين الأنهار والسدود التي تسابقت القطاعات نحوها؟ وهنا تتردد كلمات حنة آرندت التي أكدت أن السلطة تفقد معناها حين تنفصل عن المسؤولية الأخلاقية تجاه المجتمع، وأن الدولة القوية ليست تلك التي تخفي المعلومات بل تلك التي تصارح لأنها تثق في نضج شعبها.
إن ما يجري ليس مجرد تدبير إداري ولا أزمة تواصلية بل لحظة تكشف عمق العلاقة بين السلطة والمواطنين، فالدولة القوية لا تجزئ الرواية إلى بلاغين ولا توزع القلق بالتقسيط، بل تقدم سردية واحدة واضحة تشرح ما حدث وما يحدث وما قد يحدث ومن يتحمل مسؤولية كل قرار، لأن تدبير الماء ليس ملفا تقنيا يدار في الخفاء بل قدر بلد بكامله، والقدر كما يقول إميل دوركايم لا يواجه بالصمت بل بتحويل الألم إلى وعي جماعي يرفع من منسوب الثقة.
إن الخطر الحقيقي في هذه اللحظة ليس فقط في احتمال الفيضان بل في احتمال تآكل الثقة، فحين يرى المواطن أكثر من مائة ألف إنسان يتركون بيوتهم لا يسأل فقط عن قوة المطر بل عن قوة المؤسسات التي تدير حياته، وحين يسمع عن مليارات تتحرك في مشاريع الماء كما تتحرك السيول، يطرح تساؤلات من قبيل هل نبني دولة ماء أم اقتصاد صفقات؟ وهل تدار اختيارات السنوات الأخيرة بمنطق المصلحة العامة أم بمنطق تقاسم الغنيمة؟ وهذه ليست أسئلة معارضة ولا تشويشا على الجهود بل حق مجتمع يريد أن يفهم كيف يدار أمنه القومي المائي.
فما بين السماء التي أمطرت والسد الذي امتلأ والناس الذين خرجوا من بيوتهم، تتشكل لحظة تاريخية تختبر معنى الدولة نفسها، فالدولة التي تصارح شعبها تعزز شرعيتها وتبني جسور الثقة، أما الدولة التي تكتفي بالطمأنة الغامضة فإنها تترك الخوف ينمو في الفراغ، وإذا كنا سنخرج من هذه الأيام بأقل الخسائر فالأجدر أن نخرج أيضا بدرس واضح وهو أن تدبير الماء ليس مجرد هندسة بل سياسة وأخلاق ومسؤولية جماعية، لأن الناس لا يهربون من الطبيعة فقط بل قد يهربون أيضا من غموض القرار حين يتحول الصمت إلى خطر مواز لخطر الفيضان نفسه.






تعليقات الزوار ( 0 )