تشهد الدراما المغربية في السنوات الأخيرة تحولات ملحوظة على مستوى طبيعة الإنتاج والاختيارات السردية، خاصة مع تزايد الاعتماد على اقتباس أو إعادة إنتاج أعمال درامية عربية وأجنبية سبق أن حققت نجاحًا جماهيريًا، حيث أعاد هذا التوجه إلى الواجهة نقاشًا واسعًا بين المتابعين والنقاد، خصوصًا بعد تجربة “الدم المشروك” السنة الماضية، ثم النسخة المغربية من “الهيبة رأس الجبل” المعروضة على “MBC 5“، إلى جانب مسلسل “عش الطمع” الذي تبثه القناة الأولى.
وفي خضم هذا النقاش، يطرح سؤال جوهري يتعلق بحدود الاقتباس بين كونه خيارًا إبداعيًا مشروعًا يسمح بإعادة قراءة الأعمال الدرامية بروح محلية، وبين اعتباره شكلاً من أشكال الاستنساخ الذي قد يثير مخاوف بشأن الهوية السردية للدراما المغربية.
-الفورمات الأجنبية
ترى ياسمين بوشفر، الناقدة السينمائية والفنية، أن الاعتماد على الفورمات الأجنبية أو العربية لا يعكس بالضرورة عجزًا في المخيلة الإبداعية لدى السيناريست المغربي، بل يندرج ضمن ممارسات معروفة في صناعة الدراما عالميًا.
وأوضحت بوشفر في تصريح لجريدة “الشعاع”، أن الكثير من الأعمال الدرامية الكبرى اعتمدت على إعادة إنتاج قصص سابقة، مع إعادة صياغتها وفق سياقات ثقافية مختلفة.
وضربت مثالا بمسلسل “الهيبة” الذي أُنتج في نسخته الأصلية بلبنان، قبل أن يقدم في نسخ أخرى، من بينها النسخة التركية، حيث احتفظت هذه النسخ بنفس الأحداث والشخصيات تقريبًا، لكنها قدمت بطابع مختلف.
والتجربة التركية بحسب بوشفر، لم تكتفي بنقل القصة، بل وظفت مدينة كاملة لتكون فضاءً للتصوير، ما جعلها لاحقًا تتحول إلى وجهة سياحية بفضل الإشعاع الذي وفره المسلسل.
وأما بالنسبة للنسخة المغربية، فأشارت إلى أنها من إنتاج المنتج نفسه الذي اشتغل على النسخ الأخرى، ما يعكس نوعًا من الاستمرارية في الرؤية الإنتاجية.
ومع ذلك، تؤكد أن هناك اجتهادًا واضحًا على مستوى السيناريو والكتابة من أجل منح العمل طابعًا وهوية مغربية، بما يسمح بتكييف القصة مع السياق المحلي.
-هوية مغربية
تؤكد بوشفر أن الإبداع في العمل الدرامي لا ينبغي أن يختزل فقط في الكتابة، بل يتجلى أيضًا في أداء الممثلين وقدرتهم على تقمص الشخصيات، باعتبار أن هذه الشخصيات هي أساس الحكاية ومحركها الرئيسي، حيث إن طريقة الأداء والتفاعل مع البيئة المحلية يمكن أن تمنح القصة بعدًا مختلفًا حتى لو كانت منقولة عن عمل آخر.
وفي هذا الإطار، تشير إلى أن النسخة المغربية من العمل عرفت بالفعل اختلافات عديدة مقارنة بالنسخة الأصلية، وهو ما يعكس محاولة لإعادة صياغة الحكاية ضمن رمزية ودلالات جديدة.
ولفتت الناقدة السينمائية والفنية، إلى أن هذه الاختلافات تسمح بالحفاظ على الهوية المغربية داخل السرد، رغم أن الخط الحكائي العام قد يكون مستمدًا من العمل الأصلي.
ومع ذلك، تعترف بوشفر بأن هذا النوع من القصص قد يثير أحيانًا نقاشًا داخل المجتمع المغربي، خاصة عندما يتعلق الأمر بمواضيع تتضمن حضورًا قويًا للسلطة أو استخدام الأسلحة مثل المسدسات، فالمشاهد المغربي قد يتساءل عما إذا كانت هذه الصور تعكس بالفعل واقع المجتمع المحلي أو تنتمي إلى ثقافته.
-نسب المشاهدة
بالنسبة لمسألة نسب المشاهدة المرتفعة، تؤكد بوشفر أن الأرقام المسجلة على المنصات التي تعرض هذه الأعمال تعكس اهتمامًا حقيقيًا من الجمهور، وهو ما يفسر استمرار القنوات في الاستثمار في هذا النوع من الإنتاجات، غير أن هذا النجاح لا يمنع من وجود نقد قاسٍ أحيانًا من طرف المتابعين.
وترى الناقدة أن للجمهور الحق الكامل في التعبير عن رأيه تجاه أي عمل فني، سواءً كان إيجابيًا أو سلبيًا، فالنقد حتى عندما يكون حادًا، يشكل جزءًا من التفاعل الطبيعي مع الإنتاجات الدرامية، ويساهم في تقييمها وإبراز نقاط قوتها وضعفها.
وأوضحت أن هذا النقد القاسي غالبًا ما يظهر عندما يقارن المشاهد بين النسخة الأصلية الأجنبية والنسخة المحلية، فإذا كان العمل الأصلي يتمتع بجودة إنتاجية أو فنية أعلى، فإن ذلك قد يدفع الجمهور إلى انتقاد النسخة المعروضة، والعكس صحيح أيضًا، إذ قد تنجح النسخة المحلية أحيانًا في تقديم قراءة مختلفة أكثر قربًا من المتلقي.
-منطق القنوات
تشير بوشفر إلى أن القنوات التلفزيونية تعتمد في اختياراتها الإنتاجية على خطوط تحريرية واضحة، ترتبط أساسًا باعتبارات نسب المشاهدة وضمان انتشار الأعمال، فالقناة لا تراهن فقط على نجاح العمل محليًا، بل تسعى أيضًا إلى استقطاب جمهور أوسع داخل العالم العربي وخارجه.
وأبرزت أنه في هذا السياق، يصبح الاعتماد على أعمال سبق أن حققت نجاحًا خيارًا استراتيجيًا يهدف إلى تعزيز فرص التوزيع والترويج، فالنجاح السابق للعمل يمنح القناة نوعًا من الضمان المسبق بأن القصة تمتلك جاذبية لدى الجمهور.
وأضافت أن بعض القنوات توفر أعمالها على منصات رقمية تدعم عدة لغات للمشاهدة، وهو ما يسمح بتوسيع دائرة الجمهور المستهدف، وبالتالي فإن الرهان على أعمال معروفة قد يسهل تسويقها في الأسواق الدولية ويزيد من فرص انتشارها خارج حدود البلد المنتج.
-الإلهام الدرامي
ترى بوشفر أن هذه الأعمال قد تكون في كثير من الأحيان مصدر إلهام لصناع الدراما، وليس مجرد عمليات استنساخ، فالكثير من الإنتاجات الدرامية العربية والدولية تعتمد على إعادة قراءة أعمال سابقة من أجل تطويرها أو تقديمها في قالب جديد.
واعتبرت أن استخدام هذه الفورمات يمكن أن يكون خطوة إيجابية إذا كان الهدف منها تطوير الصناعة الدرامية وإغنائها بتجارب مختلفة، بدل أن يؤدي إلى طمس الهوية المحلية، فالإبداع في نظرها، يكمن في الطريقة التي يتم بها توظيف القصة وإعادة صياغتها داخل سياق ثقافي جديد.
وفي المقابل، تؤكد بوشفر أن الدراما المغربية تزخر بالفعل بعدد كبير من القصص المستمدة من الواقع الاجتماعي والثقافي المحلي، وهي قصص تستحق أن تروى وأن تتحول إلى أعمال درامية.
وأشارت الناقدة السينمائية والفنية، إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية سرد هذه الحكايات وإقناع المنتجين بجدواها الفنية والتجارية.
وأوضحت أن رؤية المنتج غالبًا ما تكون مختلفة عن الرؤية الإبداعية لصناع العمل، إذ يركز المنتج في الغالب على حجم النجاح المتوقع والعائد المالي المحتمل.
وشددت على أن التوفيق بين البعد الإبداعي ومتطلبات السوق يبقى أحد أكبر التحديات التي تواجه صناعة الدراما المغربية اليوم.




تعليقات الزوار ( 0 )