تشهد محاكم المغرب منذ أسابيع حالة شلل شبه تام، على وقع إضرابات متتالية يخوضها المحامون احتجاجًا على مشروع قانون مهنة المحاماة رقم 66.23، الذي أثار جدلًا واسعًا داخل الجسم المهني، وانعكس بشكل مباشر على سير العدالة ومصالح المواطنين المرتفقين بالمحاكم، الذين وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة أبواب مغلقة، جلسات مؤجلة، وملفات متراكمة، وسط موجة احتجاجات وتصريحات غاضبة تداولتها منصات التواصل الاجتماعي ومحيط المحاكم عبر مختلف المدن.
فقد أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب توقفًا شاملًا عن تقديم الخدمات المهنية لعدة أيام متفرقة ثم إضرابًا أسبوعيًا ابتداءً من أواخر يناير 2026، رفضًا لما وصفته الهيئات المهنية بمشروع قانون يمس استقلالية المهنة ويقوّض دور المحامي داخل منظومة العدالة، بينما تؤكد الحكومة أن المشروع يهدف إلى تحديث القطاع ومواكبة المعايير الدولية، ما جعل المشهد القضائي يدخل مرحلة توتر غير مسبوقة بين مؤسسات العدالة ومكوناتها المهنية.
داخل المحاكم، بدا المشهد مختلفًا عن الأيام العادية؛ قاعات شبه فارغة، جلسات تؤجل بالجملة، وموظفون يكتفون بتوجيه المواطنين نحو مواعيد لاحقة، بينما ينتظر عشرات المرتفقين لساعات طويلة دون أن يتحقق لهم أي تقدم في ملفاتهم. أحد المواطنين، وهو عامل بسيط قدم من مدينة قروية لحضور جلسة تتعلق بنفقة أبنائه، قال إن سفره كلّفه أجرة نقل مرتفعة، ليكتشف عند وصوله أن الجلسة أُجلت بسبب الإضراب، مضيفًا بمرارة: “أنا لا أفهم تفاصيل القانون، لكنني أفهم أن أطفالي ينتظرون حكمًا يضمن لهم حقهم، وكل تأجيل يعني مزيدًا من المعاناة”.
مواطن آخر يتابع ملف نزاع عقاري صرّح بأن قضيته تجاوزت خمس سنوات، وأن الإضرابات المتتالية جعلته يفقد الأمل في الوصول إلى حكم نهائي قريب، معتبرًا أن “العدالة أصبحت موعدًا مؤجلًا باستمرار، بينما النزاع يلتهم عمر الناس وأموالهم”.
في ساحة إحدى المحاكم الكبرى، عبّرت سيدة مسنّة عن استيائها الشديد بعدما تأجلت جلسة تتعلق بإفراغ منزلها، قائلة إن أبناءها يعملون في الخارج وقد عادت خصيصًا لحضور الجلسة، لكنها فوجئت بالإلغاء، وأضافت: “نحترم المحامين ومطالبهم، لكن من يحمي المواطن البسيط عندما تتوقف العدالة؟”.
شاب آخر كان ينتظر جلسة مرتبطة بملف شغل قال إن التأجيل المتكرر يعني بقاءه بدون تعويضات أو مورد رزق، مشيرًا إلى أنه اضطر للاقتراض لتغطية مصاريفه اليومية. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، انتشرت شهادات مشابهة لمواطنين تحدثوا عن تعطّل معاملات الطلاق، تأخير تسليم وثائق قضائية، وتجميد ملفات جنحية ومدنية، حيث كتب أحد المستخدمين: “المحاكم أصبحت مغلقة عمليًا، والمواطن هو الضحية الأولى”، بينما نشر آخر صورة لقاعة جلسات فارغة مع تعليق: “العدالة في عطلة مفتوحة”.
في المقابل، يرى المحامون أن الإضراب ليس موجّهًا ضد المواطنين بل دفاعًا عن مهنة يعتبرونها ركيزة أساسية في ضمان المحاكمة العادلة، مؤكدين أن مشروع القانون الجديد يشكّل، حسب وصفهم، تراجعًا عن التوافقات السابقة ويهدد استقلال الدفاع ويمنح صلاحيات واسعة للسلطة الحكومية، وهو ما دفعهم إلى تصعيد غير مسبوق شمل توقفًا شاملاً عن العمل ووقفات احتجاجية وطنية، معتبرين أن الدفاع عن استقلالية المحاماة هو في نهاية المطاف دفاع عن حقوق المتقاضين أنفسهم.
وسط هذا التجاذب، يظل المواطن الحلقة الأضعف في معادلة معقدة تجمع بين صراع تشريعي ومطالب مهنية وواقع قضائي يعاني أصلًا من ضغط الملفات وتراكم القضايا. فقد أظهرت مقاطع فيديو متداولة عبر الإنترنت ومواقع الأخبار محاكم شبه مشلولة وجلسات مؤجلة بالجملة، فيما تتواصل النقاشات الساخنة بين مؤيدين للإضراب باعتباره وسيلة ضغط مشروعة، ومنتقدين يرون فيه تهديدًا مباشرًا لحق التقاضي والولوج إلى العدالة.
ومع استمرار الاحتقان، يزداد القلق من تداعيات طويلة الأمد على ثقة المواطنين في المؤسسة القضائية، خصوصًا مع تراكم القضايا وتأخر البت في ملفات حساسة تمس أوضاعًا اجتماعية واقتصادية معقدة. وبينما ينتظر المحامون فتح حوار جدي يعيد النظر في المشروع المثير للجدل، يواصل المواطنون الوقوف أمام أبواب المحاكم بأمل أن تنتهي الأزمة سريعًا، حتى تستعيد العدالة إيقاعها الطبيعي، ويتحول الانتظار الطويل من قدر يومي إلى ذكرى مرحلة استثنائية أثقلت كاهل الجميع.



تعليقات الزوار ( 0 )