تُعدّ الحرب من الظواهر الملازمة لتاريخ المجتمعات البشرية، وقد تركت آثارها العميقة ليس فقط في المجالين السياسي والعسكري، بل كذلك في البنيات الثقافية والرمزية والفنية. فقلّما نجد شعباً لم يُنتج أشكالاً فنية تستلهم تجربة الحرب، سواء في هيئة ملاحم شعرية أو رقصات طقوسية أو استعراضات عسكرية احتفالية. ففي اليونان القديمة عُرفت رقصة “بيريكيوس” باعتبارها تدريباً قتالياً مقنّعاً في قالب فني، وفي أوروبا انتشرت رقصات السيف، كما حافظت قبائل من أمريكا وأفريقيا على رقصات حربية تجسد الشجاعة وروح الجماعة. ومن أشهرها رقصة “إندلامو” لدى الزولو بجنوب أفريقيا، التي تعتمد القفزات العالية والدوس القوي وحركات الصفوف المتناسقة تعبيراً عن التماسك والاستعداد للقتال، فضلاً عن رقصات “زاولي” في ساحل العاج التي توظف الأقنعة في طقس احتفالي ذي أبعاد رمزية.
ضمن هذا السياق الإنساني العام، يندرج المغرب بوصفه مجالا حضاريا تشكّل تاريخه السياسي عبر صراعات داخلية وخارجية متواصلة، مما جعل الحرب عنصراً بنيوياً في مخياله الجماعي. وقد انعكس ذلك بوضوح في الرقصات الحربية التقليدية وفي فن التبوريدة، حيث يمتزج صهيل الخيل بدويّ البارود في مشهد يجمع بين الذاكرة القتالية والاحتفاء الجمالي.
أولا: الرقصات الحربية التقليدية في المغرب
تزخر الثقافة المغربية بأشكال متعددة من الرقصات التي تحمل في بنيتها الإيقاعية والحركية أبعاداً حربية واضحة. فهي لا تؤدي وظيفة الفرجة فقط، بل تستبطن تاريخاً من التعبئة القبلية، وإذكاء روح التضامن، واستحضار البطولات الجماعية. ومن أبرز هذه الرقصات: تاسكيوين في الأطلس الكبير، أهياض في سوس، والركادة في الشرق المغربي، إلى جانب أنماط أخرى مثل أحيدوس وأحواش والركادة ولعلاوي.
1. رقصة تاسكيوين: تمجيد المحاربين وذاكرة البارود
تُعد رقصة تاسكيوين من أبرز الرقصات الحربية في الأطلس الكبير الغربي، وقد أدرجتها منظمة اليونسكو ضمن التراث الثقافي غير المادي. تنتمي هذه الرقصة إلى المجال المصمودي الشلحي، وتنتشر بين قبائل مثل دمسيرة وسكساوة وكدميوة وغيرها من قبائل السفحين الشمالي والجنوبي للأطلس الكبير.
ترتبط نشأة تاسكيوين بسياق تاريخي اتسم بصراعات قبلية حادة، خاصة في المرحلة التي أعقبت أفول الدولة الموحدية وصعود المرينيين. فقد أدى استنزاف القبائل المصمودية في جيوش الموحدين إلى تفكك الاتحاديات القبلية الكبرى، وصعود بطون قبلية صغرى دخلت في تنافس حاد على الموارد والنفوذ. في ظل هذه التحولات، أصبحت الحرب واقعاً يومياً، وبرزت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة التعبئة الدائمة.
اسم الرقصة ذاته يحيل إلى “تيسكت”، أي قرون البارود التي كان يحملها المحاربون مربوطة على الكتف لتخزين الذخيرة. ومع انتشار السلاح الناري منذ القرن السادس عشر، صار امتلاك البارود رمزاً للقوة والمكانة، مثلما كان السيف والخنجر في فترات سابقة. وهكذا انتقل هذا الرمز من ساحة المعركة إلى ساحة الاحتفال، فتحوّلت أدوات القتال إلى عناصر جمالية في طقس راقص يمجّد البطولة.
تتميز تاسكيوين بحركات كتفية قوية ودوس إيقاعي بالأقدام، توحي بالثبات والاستعداد. وهي رقصة جماعية تُؤدى في صفوف متراصة، تعكس وحدة القبيلة وتضامنها. ورغم أن وظائفها العسكرية والسياسية تراجعت، فإنها احتفظت بطابعها الرمزي باعتبارها استحضاراً لذاكرة مقاومة وحصار طويل عاشته قبائل جبل درن خلال العهد المريني، حين فُرضت عليها قيود اقتصادية وعسكرية أدت إلى تعميق روح التحفز الدائم.
2. رقصة أهياض: بين الطقس الفلاحي والنَّفَس الحربي
في جهة سوس ماسة ومناطق الجنوب الغربي، تبرز رقصة أهياض كأحد أشكال أحواش ذات الخصوصية المحلية. تؤدى هذه الرقصة في ساحات مفتوحة (أسايس)، حيث يجتمع أبناء البلدة في أجواء احتفالية يختلط فيها الغناء بالرقص، وتُفتح البيوت لاستقبال الزوار في مشهد تضامني يعكس تماسك المجتمع.
من حيث الدلالة، ترتبط أهياض بالطقس الفلاحي؛ فحركات الراقصين وصيحاتهم تحاكي البرق والرعد وتساقط الأمطار، بينما يرمز التمايل إلى نضج السنابل. غير أن لهذه الرقصة أيضاً بعداً حربياً، إذ تشير الروايات المحلية إلى انتشارها في عهد قائد سوسي كان يرافق الفرق حتى في الحملات العسكرية لتحميس الجنود وتنظيم تحركاتهم.
تعتمد أهياض على حركات بدنية قوية: القفز، الجري، الدوران، والرفس، وهي حركات تقتضي لياقة واستعداداً جسدياً يشبه متطلبات القتال. كما يستعمل “الناقوس”، وهو إطار حديدي يصدر صوتاً حاداً يشبه قرع الحديد، بما يعزز الإيقاع ويستحضر أجواء المعركة. في هذا التداخل بين الفلاحي والحربي، تتجلى خصوصية المخيال السوسي الذي يرى في الدفاع عن الأرض امتداداً طبيعياً لعلاقة الإنسان بأرضه وموسمه الزراعي.
3. رقصة الركادة: إيقاع الانتصار في الشرق المغربي
في الشرق المغربي، خاصة بمنطقة عين ركادة بإقليم بركان، تنتشر رقصة الركادة بين قبائل آيت إزناسن وبني كيل ولمهاية وغيرها. وهي رقصة حربية بامتياز، تجسد الفخر بالنصر وروح التحدي.
تعتمد الركادة على ضربات أقدام قوية ومتناسقة تُحاكي خطوات المحاربين في ساحة القتال، وغالباً ما يُستخدم فيها السلاح، سواء البندقية التقليدية (المكحلة) أو العصا، في حركات تمثل المناورة والهجوم. يرافق الأداء إيقاع سريع لآلات مثل البندير والزمّار، مع أهازيج جماعية تمجد الشجاعة والحياة اليومية.
تؤدى الركادة غالباً من طرف الرجال في صفوف متراصة، فيما يقوم “المشايخ” بالعزف والقيادة الإيقاعية. ويُعدّ “التحزيم” أو “الرزيف” من أبرز عناصرها الحركية، حيث تتكرر الحركات على إيقاع الطبول في مشهد احتفالي حماسي يذكّر بطبول الحرب التي استُعملت في العهود المرابطية والمرينية والسعدية لتنظيم القتال ورفع معنويات الجند.
ثانياً: التبوريدة… الذاكرة الفروسية للحرب
إذا كانت الرقصات الحربية تعبيراً جسدياً عن روح القتال، فإن التبوريدة تمثل تجسيداً مركباً للذاكرة العسكرية المغربية. نشأت التبوريدة كاستعراض عسكري يحاكي انطلاق الفرسان إلى المعارك، وتطورت من استعمال الأقواس إلى بنادق البارود، حتى استقرت صورتها الحديثة منذ القرن السابع عشر.
تحمل التبوريدة دلالة حربية واضحة؛ فهي تستعيد لحظة استعداد الفارس للقتال، حين يمتطي جواده ويقبض على سلاحه مودعاً أهله. كما تجسد بطولات تاريخية خاضها المغاربة في مواجهة الغزاة، مثل معركة وادي المخازن التي قادها السلطان عبد الملك السعدي ضد الملك البرتغالي سيبستيان الأول سنة 1578.
1. طقوس الاستعراض
تتميز التبوريدة بطقوس دقيقة تشمل لباس الفارس (الحايك، السلهام، العمامة)، وحمل المصحف في حقيبة كتفية، وزينة الخيل المزركشة. لكل عنصر رمزيته، إذ يعبّر عن الأصالة والانتماء والاستعداد الروحي والمادي للقتال.
تصطف “السربة” في خط أفقي، ويقودها “المقدم” أو “العلاّم” الذي يطلق “الندهة” بصوت جهير، مستحضراً أوامر الحرب القديمة. ومن النداءات المتكررة: “وا الخيل، وا المكاحل”، في إشارة إلى تعبئة الفرسان وتنظيم الصفوف كما كان يفعل قواد الجيوش.
2. الأداء والبعد العسكري
ينطلق الفرسان في ركض متناسق، ثم يطلقون البارود دفعة واحدة في لحظة تزامن تُسمى “التبوريدة”. هذا الانضباط الجماعي يحاكي تكتيك “الكر والفر” الذي اعتمدته الجيوش المغربية في عصور مختلفة، والقائم على الهجوم الخاطف ثم الانسحاب لإرباك العدو واستنزافه.
تعكس التبوريدة أيضاً تقاليد عسكرية عريقة، من اعتماد المرابطين على فرسان الصحراء في معركة الزلاقة، إلى تطوير السعديين فرقاً مدرعة، ثم تنظيم السلطان المولى إسماعيل لجيش نظامي قوي من الفرسان وعبيد البخاري.
3. التبوريدة كتراث إنساني
بفضل هذا العمق التاريخي والرمزي، أدرجت اليونسكو التبوريدة ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي سنة 2021 باسم المملكة المغربية. ولم تعد التبوريدة مجرد استعراض، بل صارت طقساً وطنياً يُقام في المواسم والمهرجانات، وتشارك فيه فرق رجالية ونسائية على حد سواء.
المشهد البصري للتبوريدة لوحة فنية متكاملة: صفوف الفرسان، ألوان الأزياء، زخارف السروج، دخان البارود المتصاعد، وصيحات الجمهور وزغاريده. إنها لحظة يلتقي فيها التاريخ بالجمال، والذاكرة بالحاضر، والحرب بالفن.
خاتمة
تكشف قراءة أنثروبولوجية للحرب في المخيال الفني المغربي عن تداخل عميق بين التجربة القتالية والإبداع الرمزي. فالرقصات الحربية مثل تاسكيوين وأهياض والركادة ليست مجرد تعبيرات فلكلورية، بل هي أشكال لتخليد الذاكرة الجماعية وصياغة هوية تستند إلى الشجاعة والتضامن. أما التبوريدة، فهي ملحمة فروسية تختزل قروناً من الصراع والدفاع عن الأرض.
هكذا يتحول العنف التاريخي إلى جمال حركي، ويتحوّل السلاح إلى رمز احتفالي، ويغدو صهيل الخيل ودويّ البارود جزءاً من سيمفونية ثقافية تُجسّد خصوصية المغرب في قدرته على تحويل الحرب من حدث عابر إلى مكوّن دائم في وجدانه الفني.



تعليقات الزوار ( 0 )